4 - الإدراك العقلي :
وهو الإدراك الذي تكون الصورة المثبتة فيه « إما صور موجودات ليست بمادية البتة ، ولا عرض لها أن تكون مادية ، أو صور موجودات مجردة مادية ، ولكن مبرأة عن علائق المادة من كل وجه » « 1 » . فالإدراك العقلي يحظى بأرقى أنواع التجريد المتصوَّرة ، فحضوره في النفس غير مشروط بحضور المادي لدى الحس ، ولا كونه مع عوارضه ، ولا أنه جزئىّ ، بل هو كلى . فهذا الإدراك مجرد عن جميع تلك الشروط .
وقد نصَّ المصنف على اشتراط إدراك أكثر من فرد لأخذ مفهوم الكلى ، فدون تحقق إدراك أكثر من فرد لا يتأتى للذهن أن يحصل على هذا المفهوم ، ولكنك خبير بأنَّ إدراك مفهوم الوجود الكلى غير متوقف على إدراك أكثر من فرد أصلًا ، بل إنَّ ذلك يتأتى من إدراك فرد واحد وهو الإحساس بوجودك ، وهذا يدعو لتفحص مرمى المصنف من هذا الكلام ، فهل تنحصر ضرورة إدراك أكثر من فرد لتحصيل مفهوم الكلى على الماهيات الحقيقية أم الأعم منها ومن المفاهيم الفلسفية ؟
وقد فهم بعض المحققين كون مقصود المصنف هو الثاني ، فأشكل عليه بأنَّ بعض المفاهيم لا تحتاج في إدراكها إلى أكثر من فرد واحد ، ومطلب المصنف يحتاج إلى مزيد من التأمل لمعرفة مقصوده في هذه النقطة .
فتحصل أنَّ لدى الإنسان أربعة أنواع من الإدراكات ، وهى الحس والخيال والوهم والعقل ، وهذا هو مختار الفلسفة المشائية ، لكن صدر المتألهين لم يقبل القسم الثالث من هذه الإدراكات ( / الإدراك الوهمي ) بل عده نوعاً من الإدراك العقلي ، إلا أنه إدراك عقلي مضاف إلى صورة جزئية . فالفرق بين الإدراك الوهمي
هامش
( 1 ) الشفاء ، الطبيعيات ، النفس ، ابن سينا ، مصدر سابق ، ص 52 .