تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
تتعارض مع مبدأ السببيّة ، فإنّ الاقتران بين انجماد ماء وغليان ماء آخر صدفة لا ينفي نشوء كلٍّ من الانجماد والغليان عن سبب خاصّ ، هو انخفاض درجة الحرارة إلى الصفر في الأوّل وارتفاعها إلى مائة في الثاني . فهناك في هذا المثال ثلاثة اقترانات ؛ واحد منها تتمثّل فيه الصدفة النسبيّة ، وهو اقتران انجماد الماء بغليان الماء الآخر ، واثنان منها لا يعبّران عن صدفة ، لأنّهما يقومان على أساس رابطة السببيّة ، وهما اقتران الانجماد بانخفاض الحرارة من ناحية ، واقتران الغليان بارتفاعها من ناحية أخرى . وهكذا نعرف أنّ الاقتران بين حادثتين قد يكون مجرّد صدفة ، ونطلق عليها اسم الصدفة النسبيّة ، وقد يكون ناتجاً عن رابطة سببيّة بين الحادثتين . وهناك فارق ملحوظ بين هذين القسمين من الاقتران ؛ فالاقتران الناتج عن رابطة سببيّة مطّرد دائماً ، وأمّا الاقتران الذي يتمثّل في الصدفة النسبيّة فهو قد يحدث ولكنّه لا يطّرد ولا يتكرّر باستمرار . فأنت قد يتّفق لك أن تجد صديقك أحياناً حين تفتح الباب وتهمّ بالخروج من بيتك ، ولكن هذا لا يطّرد في كلّ مرّة تفتح فيها الباب وتخرج من البيت على سبيل الصدفة ، ولو اطّرد ذلك لاستطعت أن تستنتج أنّ رؤيتك لصديقك كلّما فتحت الباب ليس صدفة ، بل نتيجة لحرص صديقك على أن يفاجئك دائماً بنفسه في كلّ مرّة تحاول فيها الخروج . والمنطق الأرسطي ينطلق من هذه النقطة فيقدّم لنا المبدأ التالي : « إنّ الاتّفاق لا يكون دائميّاً ولا أكثريّاً » بوصفه مبدأً عقليّاً قبليّاً . وهو يريد بالاتّفاق الصدفة النسبيّة ، ويقصد بهذا المبدأ التأكيد أنّ الصدفة النسبيّة لا تتكرّر باستمرار ، ويهدف من وراء ذلك إلى استنتاج رابطة سببيّة بين كلّ ظاهرتين يتكرّر اقترانهما باستمرار خلال الاستقراء ، لأنّ اقترانهما لو كان مجرّد صدفة نسبيّة لما تكرّر باستمرار ، لأنّ الصدفة النسبيّة لا تتكرّر باستمرار ،
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 352 | السيد كمال الحيدري