تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
ولا أكثريّاً » . لكي يتّضح معنى المبدأ القائل : « إنّ الاتّفاق لا يكون دائميّاً ولا أكثريّاً » لابدّ من بيان المعنى الذي يقصده المنطق الأرسطي من الاتّفاق . يطلق الاتّفاق ويُراد به الصدفة ، والصدفة تعتبر نقطة مقابلة للّزوم ، فإذا استطعنا أن نفهم معنى اللّزوم أمكننا أن نحدّد معنى الصدفة بوصفها المفهوم المقابل للّزوم والنقيض لها . واللّزوم على نحوين : اللّزوم المنطقي واللّزوم الواقعي . أمّا اللّزوم المنطقي ، فهو لون من الارتباط بين قضيّتين أو مجموعتين من القضايا ، يجعل أيّ افتراضّ للانفكاك بينهما يستبطن تناقضاً ، كاللّزوم القائم بين مصادرات هندسة إقليدس ونظريّاتها ، نتيجة لاستبطان التفكيك بين هذه النظريّات وتلك المصادرات للتناقض . وأمّا اللّزوم الواقعي فهو عبارة عن علاقة السببيّة القائمة بين شيئين كالنار والحرارة أو الحرارة والغليان . وهذه السببيّة لا تستبطن أيّ لزوم منطقيّ بالمعنى المتقدّم ، لأنّ افتراض أنّ النار ليست حارّة أو أنّ الحرارة لا تؤدّي إلى الغليان لا يستبطن بذاته تناقضاً . فهناك مثلًا فرق كبير بين افتراض أنّ المثلّث ليس له ثلاثة أضلاع وافتراض أنّ الحرارة لا تؤدّي إلى غليان الماء ، فإنّ الافتراض الأوّل يستبطن داخل بنائه الذهني تناقضاً منطقيّاً ، بينما لا يوجد أي تناقضّ منطقيّ داخل الافتراض الثاني ، لأنّه افتراض لا يناقض نفسه ، وإنّما يناقض الواقع الموضوعي للحرارة ، ولهذا كان اللّزوم بين المثلّث والأضلاع الثلاثة منطقيّاً وكان اللّزوم بين الحرارة والغليان واقعيّاً فحسب لا منطقيّاً . ولمّا كانت الصدفة تعبيراً عن المفهوم المقابل للّزوم كما تقدّم إذن فإذا قيل عن شيء إنّه صدفة ، كان معنى ذلك عدم كونه لازماً لزوماً منطقيّاً أو
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 350 | السيد كمال الحيدري