بعد أن انتهى المصنّف في الفصل السابق من إثبات أنّ عوالم الإمكان هي ثلاثة ؛ عالم العقل وعالم المثال وعالم المادّة ، عطف البحث في هذا الفصل والفصول اللّاحقة لبيان هذه العوالم وخصوصيّاتها ، والدليل على وجودها .
وقد بحث في هذا الفصل أمرين :
الأوّل : الدليل على وجود عالم العقل .
الثاني : كيفيّة حصول الكثرة فيه .
إذ بعد الفراغ من إثبات وجود العقل ، وقع الخلاف في عدد العقول ، وفي كونها طوليّة فقط ، كما عليه المشّاء الذين سمّوها بالعقول العشرة ، بمعنى أنّ كلّ عقل يوجد العقل اللاحق له ، والعقل الأخير وهو العقل العاشر عندهم سمّوه بالعقل الفعّال ، يكون هو المفيض لعالم المادّة . بخلاف الإشراقيّين من أتباع أفلاطون « 1 » وكذلك صدر المتألّهين الذين ذهبوا إلى وجود عقول طوليّة وعرضيّة أيضاً ، سمّوها بالمثل الإفلاطونيّة ، وأنّ عدد هذه المثل بعدد الأنواع
المادّية كما سيأتي .
ومن الواضح أنّ عالم العقل لا خلاف في وجوده بين الحكماء ، وقد استدلّ
هامش
( 1 ) هو الحكيم الفيلسوف المتألّه أفلاطون بن أرسطن اليوناني « 347 427 ق م » ، الذي إليه انتهت رياسة الفنون العقليّة ، وتلمذ لدى سقراط الحكيم ، وعنه أخذ أرسطو وتشعّبت تلاميذ أفلاطون على فرقتين ؛ المشائين والإشراقيّين ، وكان أفلاطون من نوابغ عصره في الحكمة وسائر العلوم العقليّة ، وله تصانيف كثيرة ترجمت أكثرها زمن المأمون العبّاسي ، وأكثر تلك التراجم من آثار أحمد بن متويه ، فمن تصانيف أفلاطون كتاب طيماوس الروحاني في علم النفس والعقل والربوبيّة ، وكتاب طيماوس الطبيعي في ترتيب عالم الطبيعة ، وكتاب في المثل الإفلاطونيّة ، وكتاب قاذن في النفس ، وكتاب في الروح وغيرها ، عاش 81 سنة وتوفّي في السنة التي ولد فيها إسكندر الرومي ، ويُقال : إنّ قبره في بلدة مقدونية ( ماكدونية ) محفوظ إلى الآن سنة 1376 ، ومجسّمته كثيرة في بلاد يونان وأوربا .