قد تحقَّقَ في مباحثِ العلّةِ والمعلولِ أنّ الواحدَ لا يصدرُ عنهُ إلّا الواحدُ . ولمّا كانَ الواجبُ تعالى واحداً بسيطاً مِن كلِّ وجهٍ لا يتسرّبُ إليه جهةُ كثرةٍ ، لا عقليّةٍ ولا خارجيّةٍ واجداً لكلّ كمالٍ وجوديٍّ وجداناً تفصيليّاً في عينِ الإجمال ، لا يفيضُ إلّا وجوداً واحداً بسيطاً ، له كلُّ كمالٍ وجوديٍّ لمكانِ المسانخةِ بين العلّةِ والمعلولِ له الفعليّةُ التامّةُ مِن كلِّ جهةٍ والتنزّهُ عنِ القوّةِ والاستعدادِ ، غيرَ أنّه وجودٌ ظلّيٌّ للوجودِ الواجبيِّ ، فقيرٌ إليه ، متقوّمٌ به ، غيرُ مستقلٍّ دونَه ، فيلزمُه النقصُ الذاتيُّ والمحدوديّةُ الإمكانيّةُ التي تتعيّنُ بها مرتبتُه في الوجودِ ، ويلزمُها الإمكانيّة .
والموجودُ الذي هذِه صفتُه ، عقلٌ مجرّدٌ ذاتاً وفعلًا ، متأخّرٌ عن الواجبِ تعالى ، مِن غيرِ واسطةٍ ، متقدِّمٌ في مرتبةِ الوجودِ على سائرِ المراتبِ الوجوديّة .
ثمّ إنّ الماهيّةَ لا تتكثّرُ أفرادُها إلّا بمقارنةِ المادّةِ . والوجهُ فيه أنّ الكثرةَ :
إمّا أن تكونَ عينَ الماهيّةِ ، أو جزءَها ، أو خارجةً منها لازمةً لها ، أو خارجةً منها مفارقةً لها . وعلى التقاديرِ الثلاثةِ الأُوَل لا يوجدُ للماهيّةِ فردٌ ، إذ كُلّما وُجدَ فردٌ لها كان مِن الواجبِ أن يكونَ كثيراً ، وكلُّ كثيرٍ مؤلّفٌ من آحادٍ ، والواحدُ منها وجبَ أن يكونَ كثيراً لكونِه مصداقاً
للماهيّةِ ، وهذا الكثيرُ أيضاً مؤلَّفٌ من آحادٍ ، وهلُمَّ جرّا ، فيتسلسلُ ولا ينتهي إلى واحدٍ ، فلا يتحقّقُ كثيرٌ ، فلا يوجدُ للماهيّة فردٌ .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 311
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣١١