تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
فمِنَ الواجبِ أن تكونَ الكثرةُ الأفراديّةُ أمراً خارجاً مِن الماهيّةِ ، مفارقاً لها ، ولحوقُ المفارِقِ يحتاجُ إلى مادّةٍ ، فكلُّ ماهيّةٍ كثيرةُ الأفرادِ فهي ماديّةٌ ، وينعكسُ عكسَ النقيضِ إلى أن كلَّ ماهيٍّة غيرِ مادّيةٍ وهي المجرّدةُ وجوداً لا تتكثّرُ تكثّراً إفراديّاً ، أي إنّ كلَّ مجرّدٍ فنوعُه منحصرٌ في فردٍ ، وهو المطلوبُ . نعم ، يمكنُ الكثرةُ الإفراديّةُ في العقلِ المجرّدِ ، فيما لو استكملتْ أفرادٌ مِن نوعٍ مادّيٍّ كالإنسانِ بالسلوكِ الذاتيِّ والحركةِ الجوهريّةِ مِن نشأةِ المادّةِ والإمكانِ إلى نشأةِ التجرّدِ والفعليّةِ الصرفةِ ، فتستصحبُ التميّزَ الفرديَّ الذي كان لها عندَ كونِها في أوّلِ وجودِها في نشأةِ المادّةِ والقوّةِ . فتبيّن أنّ الصادرَ الأوّلَ الذي يصدرُ مِن الواجبِ تعالى عقلٌ واحدٌ ، هو أشرفُ موجودٍ ممكنٍ ، وأنّه نوعٌ منحصرٌ في فردٍ ، وإذ كان أشرفَ وأقدمَ في الوجودِ ، فهو علّةٌ لما دونَه وواسطةٌ في الإيجادِ ، وأنّ فيه أكثرَ مِن جهةٍ واحدةٍ تُصحِّحُ صدورَ الكثيرِ منه ، لكنّ الجهاتِ الكثيرةَ التي فيه لا تبلغُ حدّاً يصحُّ به صدورُ ما دونَ النشأةِ العقليّةِ بما فيه مِن الكثرةِ البالغةِ فمِنَ الواجبِ أن يترتّبَ صدورُ العقولِ نزولًا إلى حدٍّ يحصلُ فيه مِن الجهاتِ عددٌ يكافئُ الكثرةَ التي في النشأةِ بعدَ العقل .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 312 | السيد كمال الحيدري