إلّا أنّه قد يُقال كما قيل : إنّ الحكماء قد صرّحوا بأنّ المراد من العقل في اصطلاح الفلاسفة هو « المَلَك » في اصطلاح الشريعة ، كما أشار إليه جملة منهم ، قال الشعراني في تعليقاته على شرح أصول الكافي : « فإنّ تأثير العقل نظير تأثير الدواء في دفع المرض وتأثير الرياح في إثارة السحاب في قوله تعالى :
يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً
( الروم : 48 ) ، فكما أنّ الاعتقاد بتأثير هذه بإذن الله ليس كفراً ، كذلك الاعتقاد بتأثير العقول بإذن الله ليس كفراً ، وتأثيرهم نظير تأثير الملائكة الموكّلين ، بل العقول هم الملائكة ، والفرق بالاصطلاح » « 1 » .
وهذا ما ذكره التهانوي أيضاً قال : « وفي حاشية شرح هداية الحكمة : هذا الجوهر يسمّيه الحكماء عقلًا ، ويسمّيه أهل الشرع مَلَكاً » « 2 » .
هذا مضافاً إلى أنّه لو كان يلزم من إثبات مجرّد سوى الله إنكار ضروريّات الدِّين ، فإنّ تغيير الاسم من العقل إلى النور لا يغيّر من المحذور شيئاً .
قال المصنّف في حواشيه على بحار الأنوار : « إنّه ( قدس سره ) أثبت جميع خواصّ التجرّد لأنوار النبيّ والأئمّة ( عليهم السلام ) ، ولم يتنبّه أنّه لو استحال وجود موجود مجرّد
غير الله سبحانه ، لم يتغيّر حكم استحالته بتغيير اسمه ، وتسمية ما يسمّونه عقلًا بالنور والطينة ونحوهما » « 3 » .
وأمّا قوله ( قدس سره ) : « لا يظهر من الأخبار وجود مجرّد سوى الله » فلم يقبله كثير من محقّقي المتكلِّمين ، قال المازندراني في شرحه على أصول الكافي : « وقد يطلق العقل على الجوهر المفارق عن المادّة في ذاته وفعله ، ويقال إنّه أوّل خلق من الروحانيّين ، وإنّه كثير العدد كثرة لا مثل كثرة الأشخاص المندرجة تحت نوع واحد ، ولا مثل كثرة الأنواع المندرجة تحت جنس واحد ، لأنّ تلك الكثرة
هامش
( 1 ) شرح جامع لأصول الكافي والروضة : ج 1 ص 71 .
( 2 ) موسوعة كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم ، مصدر سابق : ج 1 ص 1194 .
( 3 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق ، كتاب العقل والجهل ، الحاشية رقم 1 : ج 1 ص 104 .