يُطلق العالم تارةً ويُراد به اسم الآلة ، أي ما يعلم به ، ومن الواضح أنّ هذا الإطلاق يصدق على الوجود الإمكاني ، فيُقال : إنّه عالم أو ذو عوالم ، لكون الوجود الإمكاني علامة على وجوده تعالى ، ولا يصحّ إطلاق العالم بهذا المعنى على الوجود الواجبي للباري تعالى ، فلا نقول العالم الربوبي ؛ لأنّ تلك المرتبة الوجوديّة ليست علامة وآية لشيء آخر ، فليست هي ما يعلم بها شيء آخر كما هو واضح .
ويُطلق أخرى ويُراد به ما يشغل مرتبة من مراتب الوجود الكلّية التي تكون محاطة لما فوقها ، ومحيطة لما دونها .
وهذا الإطلاق للفظ العالم يصدق على العالم الربوبي ؛ لأنّه يشغل مرتبة من مراتب الوجود الكلّية وهي المرتبة الواجبيّة الغنيّة بالذات المحيطة لما دونها ، وإن لم تكن محاطة لما فوقها ، وعلى هذا يطلق لفظ العالم على عالم اللاهوت أو العالم الألوهي أو العالم الربوبي أو العالم الإلهي .
المراد من الكلّية
الكلّية في المقام يُراد بها الإحاطة والسِّعة الوجوديّة ، فإنّ سعة كلّ عالم من العوالم باشتماله على وجودات كثيرة مختلفة ، كلّ نوع منها عالم جزئي .
إذن المراد بالكلّية هي السِّعة الوجوديّة لا الكلّية المنطقيّة التي هي صفة العلم أي ما ينطبق على كثيرين أو بمعنى الثابت الذي لا يتغيّر بتغيّر المعلوم الخارجي .
الأقوال في عدد العوالم
هنالك أقوال متعدِّدة مختلفة في عدد العوالم ، ومن أهمّ هذه الأقوال :
القول الأوّل : إنّ عدد العوالم اثنان فقط ، وهما العالم الربوبي وعالم المادّة ،
ولا يوجد بينهما أيّ عالم آخر ، وهو الاتّجاه العام عند المتكلِّمين .
القول الثاني : عدد العوالم ثلاثة ، وهي العالم الربوبي وعالم العقل وعالم المادّة ، وهو قول المشاء .
القول الثالث : عدد العوالم أربعة ؛ وهي العالم الربوبي ، وعالم العقل ، وعالم المثال ، وعالم المادّة ، وهو قول المدرسة الإشراقيّة وتبعتها مدرسة الحكمة المتعالية ، وهو ما يذهب إليه المصنّف أيضاً .