أوّلًا : إنّ العوالمَ الثلاثةَ مترتّبةٌ وجوداً بالسبقِ واللّحوقِ ، فعالمُالعقلِ قبلَ عالمِ المثالِ ، وعالمُ المثالِ قبلَ عالمِ المادّة ، وجوداً . وذلك لأنّ الفعليّةَ المحضةَ التي لا تشوبُها قوّةٌ ولا يخالطُها استعدادٌ أقوى وأشدُّ وجوداً ممّا هو بالقوّةِ محضاً ، كالهيولى الأولى ، أو تشوبُه القوّةُ ويخالطهُ الاستعدادُ ، كالطبائعِ المادّيةِ . فعالمَا العقلِ والمثالِ يسبقانِ عالَم المادّةِ .
ثمّ العقلُ المفارقُ أقلّ حدوداً وأوسعُ وجوداً وأبسطُ ذاتاً من المثالِ الذي تصاحبُه آثارُ المادّةِ وإن خلا عنِ المادّةِ ومِن المعلومِ أنّ الوجودَ كلّما كانَ أقلَّ حدوداً وأوسعَ وأبسطَ ، كانتْ مرتبتُه مِن حقيقةِ الوجودِ المشكّكةِ أقدمَ وأسبقَ وأعلى ، ومِن أعلى المراتبِ التي هي مبدأُ الكلِّ أقربَ ، فعالمُ العقلِ أقدمُ وأسبقُ وجوداً مِن عالمِ المثالِ .
وثانياً : إنّ الترتيبَ المذكورَ بين العوالمِ الثلاثةِ ، ترتيبٌ علّيٌّ ، لمكانِ السبقِ والتوقُّفِ الذي بينَها ، فعالمُ العقلِ علّةٌ لعالمِ المثالِ ، وعالمُ المثالِ علّةٌ مُفيضةٌ لعالمِ المادّةِ .
وثالثاً : إنّ العوالمَ متطابقةٌ متوافقةٌ نظاماً بما يليقُ بكلِّ منها وجوداً ، وذلك لما تقدّمَ أنّ كلَّ علّةٍ مشتملةٌ على كمالِ معلولهِا بنحوٍ أعلى
وأشرفَ . ففي عالمِ المثالِ نظامٌ مثاليٌّ يضاهي نظامَ عالمِ المادّةِ ، وهو أشرفُ منه . وفي عالمِ العقلِ ما يطابقُ نظامَ المثالِ ، لكنّه موجودٌ بنحوٍ أبسطَ وأشرفَ وأجملَ منه ، ويطابقُه النظامُ الربّانيُّ ، الذي في العلم الربوبيّ .
ورابعاً : إنّه ما مِن موجودٍ ممكنٍ ، مادّيٍّ أو مجرّدٍ ، علويٍّ أو سفليٍّ إلّا وهو آيةٌ للواجبِ تعالى مِن جميعِ الوجوهِ ، يحكي بما عندَه مِن الكمالِ الوجوديِّ كمالَ الواجبِ تعالى .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 292
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٩٢