« الجواهر العقليّة من الموجودات هي التي لا يكون فيها أمرٌ ما بالقوّة ، ولا تصحّ فيها شرّية ما بالإضافة ، إذ لا تزاحِم موجوداً ما من الموجودات ، ولا يستضرّ بوجودها شيء من الأشياء أصلًا ، وإذ كانت كذلك فهي واجبة الفيضان عن الجود المحض الإلهي الذي هو مبدأ وجوب إفاضة الوجود الخيري الصواب على الإطلاق » « 1 » .
قوله : « والثالث : الذي خيره غالب فإنّ العناية الإلهيّة توجب وجوده » .
هذا القسم من الموجودات فهو « أيضاً من خيرات نظام الوجود إذ ما خيره غالبٌ فهو خير بتّة ، فلا محالة يجب فيضانه عن الجود المحض والعناية الأولى .
فإنّ في أن لا يوجد خير كثيرٌ ولا يُؤتى به تحرّزاً من شرّ قليل ، شرّاً كثيراً بالضرورة الفطريّة ، وذلك مثل خلق النار ، فإنّها لا يمكن أن تكون على فضيلتها التامّة العظيمة المنفعة المتوخّاة في تتميم نظم الوجود وتقويم قوام الأمزجة واستتمام حِكم ومصالح لا يُحاط بها ولا يُحصى ، إلّا وهي بحيث إذا ما اتّفق لها لقاء أبدان حيوانيّة ، آذتها بلهبها وزفيرها ، وآلمتها بوقودها وسعيرها .
فهذان القسمان واجب صدورهما عن الجواد الحقّ الذي هو بذاته فاعل كلّ وجود وواهب كلّ كمال ومفيض كلّ خير . فلو انحصر الفايض عنه في النمط الأوّل ، ولم يصدر عنه هذا النمط الأخير ، كان في الرحمة الواسعة الإلهيّة إخلال بالواجب ، وإمساك عن الجود ، وإهمال لأحد قسمي الخير المنطوي على الخيرات الكثيرة والبركات العظيمة » ( 1 ) .
قوله ( قدس سره ) : « إنّ الشرور داخلة في القضاء الإلهي بالقصد الثاني ، وإن شئت قلت : بالعَرَض ، نظراً إلى أنّ الشرور أعدام ، لا يتعلّق بها قصد بالذات » .
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : ص 433 .