قد يُقال : إنّ الظاهر من هذا المقطع أنّ هناك تهافتاً بين الصدر والذيل ، فقوله : « إنّ الشرور داخلة في القضاء الإلهي بالقصد الثاني » يبتني على أنّ شرور هذا العالم أقلّ من خيراته ، وهذا ما أثبته من خلال الاستناد إلى ما ثبت من عنايته تعالى . فيكون حاصل جواب أرسطو هو القول بوجوديّة بعض الشرور ، غير أنّها ليست مقصودة بالأصالة وبالذات ، وإنّما هي مقصودة بالتبع وبالقصد الثاني . ولعلّ هذا المستفاد من قوله في الفصل الرابع من هذه المرحلة
حيث قال : « إنّ الشرور الموجودة في العالم على ما سيتّضح ليست إلّا أموراً فيها خير كثير وشرّ قليل ، ودخول شرّها القليل في الوجود بتبع خيرها الكثير ، فالشرّ مقصود بالقصد الثاني ولم يتعلّق القصد الأوّل إلّابالخير » « 1 » .
ومن الواضح أنّ هذا يتهافت مع قوله : « وإن شئت قلت : بالعَرَض ، نظراً إلى أنّ الشرور أعدام » الذي يبتني على انحصار الشرّ في الأعدام ، وأن لا مصداق وجوديَّ له وإن كان خيره غالباً على شرّه . وعليه فلا يصحّ أن يُقال عنها أنّها « لا يتعلّق بها قصد بالذات » فقط كما ذكر ( قدس سره ) ، وإنّما لابدّ أيضاً من إضافة « ولا بالتبع » لأنّ العدم ليس بشئ حتّى يتعلّق به قصد ولو كان بالتبع ، فتدبّر .
خلاصة الفصل الثامن عشر
1 عقد المصنّف هذا الفصل للإجابة على إشكاليّة وجود الشرور في هذا العالم ، وكيفيّة المؤاءمة بين الشرور وبين مقولة النظام الأحسن والعناية الإلهيّة بالخلق .
2 الخير والشرّ متقابلان تقابل الملكة وعدمها ، فالخير أمرٌ وجوديّ والشرّ أمرٌ عدميّ ، بالبرهان المتقدِّم .
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : ص 303 .