تمهيد
بعدما انتهى المصنّف في الفصل السابع عشر من إثبات النظام الأحسن في عالم الإمكان وأنّه أدقّ وأتقن نظام ممكن ، وذلك لعنايته تعالى بمخلوقاته وحكمته ، حينئذ يُثار تساؤل حول ما نلاحظه من الشرور في عالمنا ، من سيول وزلازل وآفات وعاهات وعواصف وبلايا وأمراض وظلم وغير ذلك ممّا يواجهه البشر والعالم ، سواء في غابر العصور أم في عصر التقدّم العلمي وفي مستقبل الدُّنيا أيضاً ، وهو ما لا يتلاءم مع القول بعنايته تعالى .
فمظاهر الشرور التي يزدحم بها الكون وتمتلئ بها الحياة الإنسانيّة أخذت تضغط على العقل الإنساني في إثارة استفهامات حائرة ، حتّى سبّبت للبعض الخروج من دائرة الإيمان إلى الكفر بالخالق تعالى متسائلين : إذا كان للباري تعالى عناية بخلقه ، فلماذا هذه الشرور والمصائب ؟
وعلى هذا الأساس عقد المصنّف هذا الفصل ، للإجابة عن تلك التساؤلات والشبهات ، وذلك من خلال تحليل مفهومي الخير والشرّ وإثبات أنّ الشرور أمور عدميّة أو نّها شرور بالقياس إلى غيرها ، مضافاً إلى إثبات أنّ الشرور من مختصّات عالم المادّة .
ولا يخفى أنّ الإجابة على مسألة الشرور ، قد تنوّعت معالجاتها وأطروحات الحلّ لها ، وإليك أهمّ الاتّجاهات العامّة لهذه المعالجات ، وقد تمثّلت بثلاثة اتّجاهات ، هي :
الاتّجاه الأوّل : الذي يذهب إلى إنكار وجود خالق حكيم قادر ، نتيجة لعدم المواءمة عند أصحاب هذا الاتّجاه بين وجود خالق حكيم وبين وجود الشرور .