الخيرُ ما يطلبُه ويقصدُه ويحبُّه كلُّ شيءٍ ، ويتوجّهُ إليه كلُّ شيءٍ بطبعِه . وإذا تردّدَ الأمرُ بين أشياءَ فالمختارُ خيرُها ، فلا يكونُ إلّا كمالًا وجوديّاً يتوقّفُ عليه وجودُ الشيءِ ، كالعلّةِ بالنسبةِ إلى معلولهِا ، أو كمالًا أوّلًا هو وجودُ الشيءِ بنفسِه أو كمالًا ثانياً يُستكملُ الشيءُ به ويزولُ به عنهُ نقصٌ . والشرُّ يقابلُه ، فهو عدمُ ذاتٍ أو عدمُ كمالِ ذاتٍ .
والدليلُ على أنّ الشرَّ عدمُ ذاتٍ أو عدمُ كمالِ ذاتٍ ، أنّ الشرَّ لو كان أمراً وجوديّاً ، لكان إمّا شرّاً لنفسِه أو شرّاً لغيرِه ، والأوّلُ محالٌ ؛ إذ لو اقتضى الشيءُ عدمَ نفسِه لم يوجَدْ من رأس ، والشيءُ لا يقتضي عدمَ نفسِه ولا عدمَ شيءٍ من كمالاتِه الثانيةِ ؛ لما بينَه وبينَها مِن الرابطةِ الوجوديّةِ ، والعنايةُ الإلهيّةُ أيضاً توجبُ إيصالَ كلِّ شيءٍ إلى كمالِه .
والثاني أيضاً محالٌ ، لأنّ كون الشرِّ والمفروضُ أنّه وجوديٌّ شرّاً لغيره ، إمّا بكونه مُعدِماً لذاتِ ذلكَ الغيرِ ، أو مُعدِماً لشيءٍ من كمالاتِه ، أو بعدمِ إعدامِه لا لذاتِه ولا لشيءٍ من كمالاتِه .
والأوّلُ والثاني غير جائزَينِ ، فإنّ الشرَّ حينئذٍ يكونُ هو عدمَ ذلكَ الشيءِ أو عدمَ شيءٍ مِن كمالاتِه ، دونَ الشيءِ المُعدِم المفروضِ ، وهذا خلفٌ . والثالثُ أيضاً غيرُ جائزٍ ، فإنّه إذا لم يُعدِمْ شيئاً لا ذاتاً ولا كمالَ ذاتٍ ، فليس يجوزُ عدُّه شرّاً . فالعلمُ الضروريُّ حاصلٌ بأنّ ما لا
يوجبُ عدمَ شيءٍ ولا عدمَ كمالِه ، فإنّه لا يكونُ شرّاً له ، لعدمِ استضرارِه به . فالشرُّ كيفما فُرضَ ليس بوجوديٍّ ، وهو المطلوبُ .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 241
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٤١