العامّ فهو ثابت له بالوجوب ، وعلى هذا فلا توجد عند المجرّدات التامّة حالة منتظرة لكي تكتمل بفعلها .
ومن هنا فإنّ غاية العقول المجرّدة في أفعالها لا تخرج عن ذواتها التي هي أظلال الواجب تعالى ، وبالتالي ترجع غايتها إلى الواجب تعالى ، لأنّ ما سوى الواجب تعالى معلول له ، والمعلول وجود رابط لا وجود له في نفسه ، وما ليس
له وجود في نفسه ، فلا يمكن أن يكون مقصوداً لنفسه ؛ لأنّه لا نفسيّة له .
إذن غاية العقول المجرّدة من أفعالها هو الواجب تعالى .
أمّا منافع ما دونها فهي مقصودة بالتبع ، والى ذلك أشار المصنّف في المرحلة الثامنة بقوله : « إنّ الغاية كمال للفاعل دائماً ، فإن كان الفاعل متعلّقاً بالمادّة نوعاً من التعلّق كان مستكملًا بالغاية التي هي ذاته الفاعلة بما أنّها فاعلة ، وإن كان مجرّداً عن المادّة مطلقاً كانت الغاية عين ذاته التي هي كمال ذاته من غير أن يكون كمالًا بعد النقص وفعليّةً بعد القوّة » « 1 » .
وإذا تبيّن ذلك يتّضح أنّ عنايته تعالى ، تعني إيصال الخيرات إلى مخلوقاته ، على وفق استعداد كلّ مخلوق لذلك ، ليبلغ كلّ ممكن إلى الكمال الذي يمكنه أن يصل إليه على سعة استعداده وقابليّته .
البحث الثاني : الأدلّة على أنّ للواجب تعالى عناية بخلقه
استدلّ المصنّف على ذلك ببرهانين ، أحدهما لمّي والآخر إنّي .
البرهان اللمّي على عناية الواجب بخلقه
يعتمد هذا البرهان على ثلاث مقدّمات ، تقدّم الكلام عنها في الأبحاث السابقة .
المقدّمة الأولى : إنّ الواجب تعالى عالم بجميع الموجودات ، كما تقدّم في
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : الفصل السادس ، ص 184 .