تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
ومن الواضح أنّ حصول المحبوبيّة من الفاعل للفعل عند الإنسان والحيوان هو لأجل سدّ النقص وتحصيل المنافع والكمالات المفقودة عنده لكونه مخلوقاً ماديّاً فاقداً لكثير من الكمالات . وكلّما كانت حاجة الإنسان إلى الفعل شديدة ، زاد اهتمامه بالفعل بمقدار ما يشعر في نفسه من الحاجة إلى ذلك الفعل ، فيتوخّى الدقّة في تحقيق الفعل ، ويلاحظ جميع الخصوصيّات التي يمكن لحاظها في إتقان فعله . وبهذا يتّضح أنّ هذا الاهتمام والإمعان المتكفّل بتأمين جميع المنافع والخصوصيّات يسمّى عناية ، ويطلق على فاعله أنّه فاعل بالعناية . أمّا في واجب الوجود ، فبما أنّه لا توجد حالة انتظاريّة ولا قوّة له ولا نقص يكمله ، لأنه واجد في ذاته لكلّ كمال ، فلا يتوخّى منفعة من فعله ، فغايته تعالى ترجع بالنفع إلى فعله من خلال إيصال الخيرات إلى مخلوقاته ، كلّ على حسب قبوله واستعداده . ولأجل أن تتّضح عناية الباري تعالى بمخلوقاته ينبغي تسليط الضوء على بيان الغاية المترتّبة على فعل المجرّدات التامّة ، كالواجب تعالى والعقول التامّة .

غاية الواجب في فعله

تقدّم في مرحلة العلّة والمعلول أنّ العلّة الغائيّة لأفعال الله هي حبّه وإبتهاجه تعالى بذاته ، وحيث إنّ حبّ الشيء يستلزم ذاتاً حبّ لوازمه وآثاره ، فتكون غايته تعالى من فعله هي حبّه لذاته بالأصالة ، وبتبع حبّه لذاته : حبّه لأفعاله . ويجري هذا الأمر في جميع المجرّدات والعقول التامّة كما سيتّضح في البحث الآتي :

غاية العقول المجرّدة من أفعالها

تقدّم في البحوث السابقة « 1 » أنّ المجرّد التام إذا أمكن له شيء بالإمكان
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : الفصل الرابع من المرحلة الرابعة .