تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
وما تقدّمَ مِن البيانِ جارٍ في العللِ العاليةِ والعقولِ المجرّدةِ التي ذواتُها تامّةٌ ووجوداتُها كاملةٌ ، منزّهةٌ عن القوّةِ والاستعدادِ فليسَ صدورُ أفعالِها منها لغرضٍ وغايةٍ تعودُ إليها من أفعالِها ولم تكنْ حاصلةً لها قبلَ الفعلِ ، لغرضِ تمامِ ذواتِها ، فغايتُها في فعلِها ذواتُها التي هي أظلالٌ لذاتِ الواجبِ تعالى ، وبالحقيقةِ غايتُها في فعلِها الواجبُ عزَّ اسمُه . ويظهرُ ممّا تقدّمَ أنّ النظامَ الجاريَ في الخلْقةِ أتقنُ نظامٍ وأحكمُه ، لأنّه رقيقةُ العلمِ الذي لا سبيلَ للضعفِ والفتورِ إليه بوجهٍ مِن الوجوهِ . توضيحُه : إنّ عوالمَ الوجودِ الكلّيةِ على ما سبقتِ إليها الإشارةُ ثلاثةُ عوالمَ لا رابعَ لها عقلًا ، فإنّها إمّا وجودٌ فيه وصمةُ القوّةِ والاستعدادِ لا اجتماعَ لكمالاتِه الأوّليّةِ والثانويّةِ الممكنةِ في أوّلِ كينونتِه ، وإمّا وجودٌ تجتمعُ كمالاتُه الأوّليّةُ والثانويّةُ الممكنةُ في أوّلِ كينونتِه ، فلا يُتصوّرُ فيه طروُّ شيءٍ مِن الكمالِ بعدما لم يكنْ . والأوّلُ عالمُ المادّةِ والقوّةِ . والثاني إمّا أن يكونَ مجرّداً مِن المادّةِ دونَ آثارِها مِن كيفٍ وكمٍّ وسائرِ الأعراضِ الطارئةِ للأجسامِ المادّيةِ ، وإمّا أن يكونَ عارياً مِن المادّةِ وآثارِها جميعاً ، والأوّلُ عالمُ المِثالِ ، والثاني عالَمُ العقلِ . فالعوالمُ الكلّيةُ ثلاثةٌ ، وهي مترتِّبةٌ مِن حيثُ شدّةِ الوجودِ وضعفِه ، وهو ترتّبٌ طوليٌّ بالعلّيةِ والمعلوليّةِ ، فمرتبةُ الوجودِ العقليِّ معلولةٌ للواجبِ تعالى بلا واسطة ، وعلّةٌ متوسّطةٌ لما دونَها مِن المثالِ ، ومرتبةُ المثالِ معلولةٌ للعقلِ وعلّةٌ لمرتبةِ المادّةِ والماديّاتِ . وقد تقدّمتْ إلى ذلكَ إشارةٌ وسيجيءُ توضيحُه .