الغرض من عقد هذا الفصل
هذا البحث من متمّمات عموم قدرة الحقّ تعالى ، وقد تقدّم هذا البحث أيضاً في الفصل الثامن من مرحلة العلّة والمعلول تحت عنوان « لا مؤثّر في الوجود بحقيقة معنى الكلمة إلّا الله » وإن اختلف العنوان في الموضعين ؛ لأنّ البحث في هذا الفصل في قدرته تعالى وهي بمعنى مبدئيته ، بينما كان البحث في مرحلة العلّة والمعلول في العلّة الفاعلة وأنّ المؤثّر أي معطي الوجود ومفيضه هو الواجب تعالى . ومن هنا يتّضح أنّ البحثين في الموضعين لا يختلفان من حيث المحتوى وإن اختلفا بالعنوان ، وممّا يدلّ على ذلك أنّ البرهانين اللذين أقامهما المصنّف في هذا الفصل واستدلّ بهما على عموم قدرته ومبدئيّته تعالى لكلّ ممكن الوجود ، هما نفس البرهانين اللذين استدلّ بهما في مرحلة العلّة والمعلول على عدم وجود مؤثّر في الوجود إلّا الله تعالى .
ولا يخفى أنّ الغرض من تكرار هذا الفصل هو إثبات عموم قدرته تعالى للأفعال الاختياريّة للإنسان ، وحلّ مسألة الجبر والتفويض .
ولكي يتّضح غرض المصنّف من عقد هذا الفصل ينبغي تقديم مقدّمتين :
المقدّمة الأولى : الفرق بين التوحيد الأفعالي والتوحيد الفعلي
إنّ الفرق بين التوحيد الأفعالي والتوحيد الفعلي يتلخّص بما يلي :
إنّ معنى التوحيد الفعلي هو أنّ الفعل الصادر من الواجب تعالى بصورة مباشرة ، واحد وليس بكثير .
إذ إنّ هنالك آراء متعدّدة في المقام ، فالبعض يقول إنّ الواجب تعالى صدر منه فعل واحد ، في ضوء قاعدة أنّ الواحد لا يصدر منه إلّا واحد ، ورأيٌ آخر للمتكلِّمين يقول : إنّ الواجب تعالى يخلق ما يشاء في عرض واحد .