تحرير محل النزاع في الإرادة
لا ريب أنّ الإرادة بالمعنى المتقدّم وهو إجماع العزم والحزم المسبوق بشوق أكيد . . . يستحيل أن يتّصف بها الواجب تعالى ؛ لأنّ الإرادة بالمعنى المتقدّم تلازم فقدان الكمال ، والواجب تعالى يستحيل أن يكون فاقداً لأيّ كمال ، بل هو واجد لكلّ كمال ولا يشذّ عنه كمال من الكمالات كما تقدّم ، وعلى هذا فلا يحصل للواجب شوق إلى الفعل ؛ لأنّ الشوق يلازم فقدان الكمال ، وإذا أوجد تعالى شيئاً ما فإنّ الكمال في ذلك الفعل إنّما يعود إلى الفعل نفسه لا إلى الفاعل ، هذا كلّه في ما يتعلّق بالإرادة التكوينيّة ، فلا توجد للواجب تعالى إرادة تكوينيّة بمعنى إجماع العزم والحزم المسبوق بشوق أكيد .
الإرادة التي تثبت للواجب تعالى بمعنى آخر
تقدّم أنّ الإرادة التكوينيّة بالمعنى المتقدّم يستحيل أن يتّصف بها الواجب تعالى لأنّها لا تكون إلّا للفاقد للكمال كما تبيّن ممّا تقدّم .
لكن هنالك معنى آخر للإرادة تصدق على الواجب تعالى وهي الإرادة الفعليّة ، وهي صفة فعليّة منتزعة من مقام الفعل كما تقدّم بيانه في الفصل التاسع .
فإنّنا حينما نرى الفعل الخارجي نصفه بأنّه مرادٌ لله تعالى وأنّ إرادته تعالى تجلّت بإيجاد ذلك الفعل ، وهذا معنى أنّ الإرادة صفة فعل ، وهو المعنى الذي أشارت إليه الروايات التي تقول بأنّ إرادته إحداثه وأنّ المشيئة محدثة ، ومن هذه الروايات :
1 عن علي بن إبراهيم الهاشمي قال : « سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر يقول : «
لا يكون شيء إلّا ما شاء الله وأراد وقدّر وقضى
. قلت : ما معنى شاء ؟ قال :
ابتداء الفعل .
قلت : ما معنى قدّر ؟ قال :
تقدير الشيء من طوله