الإرادة التكوينيّة
لكي يتّضح معنى الإرادة التكوينيّة ينبغي تحليل الإرادة عند الإنسان ، وهو يقتضي تقديم مقدّمتين :
المقدّمة الأولى : الإنسان فاعل علميّ .
المقصود من كون الإنسان فاعلًا علميّاً هو أن يكون لعلمه دخل في فعله ، قبال الفاعل بالطبع الذي لا يكون لعلمه دخل في فعله ، كالإنسان الذي يكون عالماً بفعل المعدة وهو عمليّة هضم الطعام لكنّه لا دخل لعلمه بفعل المعدة ، أو لا يكون له علم بفعله كالنار فإنّها تفعل الإحراق من دون أن يكون لها علم بالإحراق .
فالإنسان فاعل علميّ ، ولعلمه دخل في أفعاله الاختياريّة بنحو لو لم يشأ لم يتحقّق منه الفعل في الخارج ، فلو لم يشأ الأكل لما أكل ، بخلاف علم الإنسان بعمل المعدة فإنّه يعلم بعمليّة الهضم لكن ليس لعلمه هذا دخلٌ في فعل المعدة .
إذن حاصل هذه المقدّمة هو أنّ الإنسان فاعل علميّ بالنسبة لأفعاله الاختياريّة قِبال الفاعل بالطبع .
المقدّمة الثانية : الإنسان واجد لبعض الكمالات وفاقد لأخرى .
هذه المقدّمة لعلّها واضحة إذ الإنسان في هذا العالم يكون واجداً لبعض الكمالات كالوجود والحياة ونحوها ، وفاقداً لكمالات أخرى كثيرة ، وقد
يحصل على بعضها من خلال مسيرته في هذه الحياة وقد لا يحصل ، قال تعالى :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( النحل : 78 ) ، أي فطر الإنسان على حبّ الكمال ، نعم قد يخطئ الإنسان في تشخيص مصداق الكمال ، ولكن لا يوجد إنسان لا يطلب الكمال .
في ضوء هاتين المقدّمتين وهما الإنسان فاعل علميّ ، وأنّه باحث عن