وهذا ما أشار إليه المصنّف في « الرسائل التوحيديّة » حيث قال : « إنّ هذه الأسماء لو انتزعت عن مقام الفعل ، فإنّما انتزعت عنه بما أنّ بينه وبين الذات نسبة ورابطة ما ، وإلّا لم تصدق هذه الأسماء على الذات البتّة ، فيؤول إلى اعتبار الحيثيّة ، بمعنى أنّ الذات بحيث لو فرض خلقٌ مثلًا فهو خالقه ، ولو فرض رزقٌ فهو رازقه . فإذن سبيل الأسماء الفعليّة سبيل الأسماء الذاتيّة في أنّ الجميع موجود للذات حقيقة » « 1 » .
وهذا ما أشار إليه في آخر الفصل بقوله : « فهو تعالى بحيث يقوم به كلّ كمال ممكن في موطنه الخاصّ به » .
وأمّا الوجه الثاني الذي به لا تصدق هذه الصفات عليه صدقاً حقيقيّاً ، فهو أن يُراد به إيجاد ذلك الفعل ، فيُراد بالخالق موجد الخلق ، وبالرازق موجد الرزق ، وعند ذلك يكون من صفات الفعل .
توضيح ذلك : لمّا كان الإيجاد عين الوجود حقيقة ، وإنّما يختلف عنه اعتباراً ، كالفرق بين المصدر واسم المصدر ، فإنّه إذا نظر إلى الفعل بقطع النظر عن موجده وعلّته يسمّى وجوداً وهو اسم مصدر ، وإذا نظر إليه باعتبار انتسابه إلى علّته سُمّي إيجاداً وهو مصدر . إذن فليست حقيقة صفة الفعل غير نفس الفعل لكن منسوباً إليه تعالى . فالخالق مثلًا لا واقع له غير نفس الخلق ، بمعنى المخلوق منسوباً إليه تعالى ، ولمّا كانت هذه النسبة إضافة إشراقيّة ، فهي أيضاً نفس المخلوق ، فيؤول الأمر إلى أنّ صفة الفعل لا واقع لها غير الفعل .
وهذا معنى ما ذكره بعض الأعلام المعاصرين حيث قال : « الصفات الفعليّة هي المفاهيم التي تنتزع من إضافة الذات إلى أفعالها . وتلك المفاهيم
تكون ذات طرفين ؛ يقع أحدهما على الواجب ، والآخر على مخلوقاته ، كالخالق والرازق وغيرهما ، فلا تحكي عن حقائق عينيّة زائدة على الوجود الوجوبي وما
هامش
( 1 ) الرسائل التوحيديّة ، مصدر سابق : ص 48 .