والحقُّ هو القولُ الأوّلُ ، وذلكَ لما تحقّقَ أنّ الواجبَ بالذاتِ علّةٌ تامّةٌ ينتهي إليهِ كلُّ موجودٍ ممكنٍ بلا واسطةٍ أو بواسطةٍ أو وسائطَ ، بمعنى أنّ الحقيقةَ الواجبيةَ هي العلّةُ بعينِها .
وتحقّقَ أيضاً أنّ كلَّ كمالٍ وجوديٍّ في المعلولِ ، فعلّتُه في مقامِ علّيّتِه واجدةٌ له بنحوٍ أعلى وأشرفَ . فللواجبِ بالذاتِ كلُّ كمالٍ وجوديٍّ مفروضٍ على أنّه وجودٌ صرفٌ لا يخالطُه عدمٌ .
وتحقّقَ أنّ وجودَه صرفٌ بسيطٌ واحدٌ بالوحدةِ الحقّةِ . فليسَ في ذاتِه تعدّدُ جهةٍ ولا تغايرُ حيثيةٍ . فكلُّ كمالٍ وجوديٍّ مفروضٍ فيه ، عينُ ذاتِه وعينُ الكمالِ الآخرِ المفروضِ له .
فالصفاتُ الذاتيةُ التي للواجبِ بالذاتِ كثيرةٌ ، مختلفةٌ مفهوماً ، واحدةٌ عيناً ومصداقاً ، وهو المطلوب .
وقولُ بعضِهم : ( إنّ علّةَ الإيجادِ هي إرادةُ الواجبِ بالذاتِ دونَ ذاتِه المتعاليةِ ) ، كلامٌ لا محصّلَ له ، فإنّ الإرادةَ المذكورةَ عندَ هذَا القائل إنْ كانتْ صفةً ذاتيةً هي عينُ الذاتِ ، كان إسنادُ الإيجادِ إليها عينَ إسنادِه إلى الذاتِ المتعاليةِ . فإسنادُه إليها ونفيُه عن الذاتِ تناقضٌ ظاهرٌ . وإنْ كانتْ صفةً فعليةً منتزعةً من مقامِ الفعلِ ، كانَ الفعلُ متقدّماً عليها ، فكانَ إسنادُ إيجادِ الفعلِ إليها قولًا بتقدّمِ المعلولِ على العلّةِ ، وهو محالٌ .
على أنّ نسبةَ العليّةِ إلى إرادةِ الواجبِ بالذاتِ ونفيَها عن الذاتِ ، تقضي بالمغايرةِ بينَ الواجبِ وإرادتِه . فهذه الإرادةُ :
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 364
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٦٤