الذاتيّة من العلم والقدرة والحياة مستمدّة من مصاديق مادّية ، ممّا يلزم جعل هذه الصفات محدودة ، فكيف يمكن وصف الواجب تعالى بمثل هذه الصفات المحدودة وما تحمله من خصائص مادّية ؟ وقد أُشير إلى هذه الإشكاليّة في نصوص عدد من الباحثين من قبيل النصّ الذي يذكره أحد المتخصّصين في القواعد الفلسفيّة في الفلسفة الإسلاميّة بقوله : « الآن ينبثق هذا السؤال : إذا كانت ذات واجب الوجود المقدّسة لا تشترك مع أيّ شيء في أيّ أمر من الأمور ، فكيف يتمّ تفسير إطلاق المفاهيم العامّة بشأن ذات الحقّ تبارك وتعالى وسائر الموجودات الأُخر ؟ » « 1 » .
ومن الواضح أنّ منشأ هذه الإشكاليّة هو « أنّ مزاولة الإنسان للحسّ والمحسوس مدى حياته وانكبابه على المادّة وإخلاده إلى الأرض عوّده أن يمثّل كلّ ما يعقله ويتصوّره تمثيلًا حسيّاً وإن كان ممّا لا طريق للحسّ والخيال إليه البتّة ، كالكليّات والحقائق المنزّهة عن المادّة » « 2 » ، وعلى هذا فقد اقتضت عادة الإنسان وأُنسه بالمادّة أن يصوّر لربّه صوراً خياليّة على حسب ما يألفه من الأمور الحسّيّة ، فيصوّر الباري تعالى « بصورة إنسان فوق السماوات جالس على عرش الملك يدبّر أمر العالم بالتفكّر ويتمّمه بالإرادة والمشيّة والأمر والنهي ، وقد صرّحت التوراة الموجودة بأنّ الله سبحانه كذلك ، وأنّه تعالى خلق الإنسان على صورته ، وظاهر الأناجيل أيضاً ذلك » « 3 »
وفي ضوء هذه الإشكاليّة برزت ثلاث نظريّات للإجابة عنها ، وهي :
هامش
( 1 ) القواعد الفلسفيّة الكلّية في الفلسفة ، غلام حسين إبراهيمي ، ديناني ، الطبعة الثانية ، طهران 1978 م : ج 3 ص 461 بالفارسيّة ، نقلًا عن التوحيد للسيّد كمال الحيدري ، الطبعة الأولى 2000 م ، دار الصادقين : ج 1 ص 162 .
( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، العلّامة الطباطبائي ، مصدر سابق : ج 10 ص 272 .
( 3 ) المصدر نفسه : ج 10 ص 163 .