إليه تعالى ، لاحتياج الممكن إلى الواجب بالذات . إذن فلماذا استأنف البحث لإثبات توحيد الربوبيّة في فصل مستقلّ ؟
أجاب صدر المتألّهين عن ذلك بقوله : « إنّ البراهين الماضية ، وإن دلّت على أنّ واجب الوجود بالذات واحد لا شريك له في وجوب الوجود ، إلّا أنّنا نريد الآن أن نبيِّن أنّ إله العالم واحد لا شريك له في الإلهيّة ، إذ مجرّد وحدة واجب بالذات لا يوجب في أوّل النظر كون الإله واحداً » « 1 » . ومراده من الإلهيّة
هو الربوبيّة والتدبير ؛ من هنا عدل المصنّف في عنوان الفصل عن الإلهيّة والإله الذي هو في الأصل بمعنى المعبود إلى التعبير بالربوبيّة .
والشاهد على أنّ وحدة واجب الوجود بالذات لا تستلزم في بادئ النظر الوحدة في الربوبيّة والتدبير ، هو ما نجده في ميراث الأُمم السابقة وتأريخها الدينيّ ، حيث نلحظ أنّها وإن كانت موحِّدة في الخالقيّة ، كما أشارت إلى ذلك نصوص قرآنيّة متعدّدة ؛ قال تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
( لقمان : 25 ) ، وقال :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
( الزخرف : 87 ) ، إلّا أنّها مع ذلك كانت تعتقد بأنّ الخالق سبحانه فوَّض تدبير هذا العالم إلى بعض مخلوقاته ، الأمر الذي دفعها لكي تتّجه بالعبادة إلى هذه المخلوقات ، ظنّاً منها بأنّها التي تعطي وتمنع وتُحيي وتُميت وتهَب السلامة وتسلبها ، وتُغني وتفقر وتنفع وتضرّ . فما دام تدبير الوجود بيد هذه الموجودات ، فمن الطبيعي أن يتّجه إليها الإنسان بالخضوع والعبادة . وبذلك برزت هذه المفارقة الكبيرة بين توحيد هؤلاء في الخالقيّة ، وشركهم في التدبير والربوبيّة والعبادة .
وبهذا يتّضح أهمّية هذه المرتبة من التوحيد ، وهي التوحيد في الربوبيّة والتدبير ؛ لذا قال المصنّف في تفسيره : « فالآيات القرآنيّة على احتوائها تفاصيل
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 92 .