تمهيد
إنّ للتوحيد أقساماً متعدّدة ، بعضها خارج عن البحث الفلسفي ، وهو تارةً يقع فوق الفلسفة ، وأخرى دون الفلسفة .
والأوّل وهو الواقع فوق البحث الفلسفي هو البحث عن الوحدة الشخصيّة للوجود ، بمعنى أنّ الوجود واحد شخصيّ لا ثاني له ، وهو
المبحوث عنه في العرفان النظري . والسبب الذي جعل البحث في وحدة الوجود الشخصيّة فوق البحث الفلسفي هو أنّ أقصى ما يثبت ، من خلال المدارس الفلسفيّة عموماً ، إثبات أنّ واجب الوجود واحد لا شريك له ، لا أنّ الوجود واحد شخصيّ لا ثاني له . ومن هذا المنطلق كان البحث في إثبات أنّ الوجود واحدٌ فوقَ البحث الفلسفي .
أمّا الثاني وهو البحث في أقسام التوحيد التي تقع دون البحث الفلسفي فهو من قبيل البحث في وحدة المعبود وما يتفرّع عليه من أقسام التوحيد الأخرى ، كالبحث في وحدة المشرّع ، والبحث في وحدة الحاكم ونحوهما ، التي يؤخذ موضوعها من الفلسفة ، بمعنى أنّه بعد الانتهاء في البحث الفلسفي من إثبات التوحيد الذاتي والصفاتي والأفعالي ، يأتي البحث في أقسام التوحيد الأخرى التي يُبحث عنها في علم الكلام .
وفي هذا الفصل كما هو واضح من عنوانه يتناول المصنّف البحثَ في التوحيد الربوبي ، أي إنّ الربّ والمدبِّر بالاستقلال واحدٌ لا شريك له ، وهو الواجب تعالى . وهو المُشار إليه في قوله تعالى :
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ
( الجاثية : 36 ) .