عليه شيء ممّا تقدّم .
المناقشة الثالثة : إنّ الماهيّة لمّا كانت علّة لكثير من لوازمها ، ومن لوازمها الوجود ، إذن فما الفرق في أن تكون الماهيّة علّة لصفة دون صفة ، أي تكون علّة للوازمها دون وجودها ؟ وهذا ما أشار إليه الرازي بقوله : « إنّ الماهيّة الممكنة مقتضية للإمكان لما هي هي ، وأمّا الوجود فيحصل من السبب المنفصل ، وما بالذات قبل ما بالغير ، فاقتضاء الماهيّة الممكنة للإمكان سابق على اتّصافها بالوجود ، فيثبت أنّ اقتضاء الماهيّة للوازمها سابق على اتّصافها بالوجود .
فيثبت : أنّ اقتضاء الماهيّة للوازمها لا يتوقّف على كون تلك الماهيّة موجودة ، وإذا عقل ذلك في الجملة ، فلِمَ لا يعقل مثله في اقتضاء الماهيّة لوجود نفسها ؟ » « 1 » .
وأُجيب عن ذلك : أنّ فيه خلطاً بين ما يحتاج في وجوده إلى علّة ، وبين ما ليس في وجوده محتاجاً إليها ، بل في تقرّره ، والثاني كلوازم الماهيّات من حيث هي ، والأوّل كوجود الممكنات . بتعبير آخر : إنّ لوازم الماهيّة متقرّرة مع الماهيّة في نفس الأمر وإن كانت اللوازم دونها رتبة ، وهذه عوارض الماهيّة من حيث هي هي ، بخلاف الوجود العيني فإنّه لابدّ له من علّة موجدة توجده .
قال الشيخ في الإشارات : « قد يجوز أن تكون ماهيّة الشيء سبباً لصفة من صفاته ، وأن تكون صفة له سبباً لصفة أخرى ، مثل الفصل للخاصّة ، ولكن لا يجوز أن تكون الصفة التي هي الوجود للشيء ، إنّما هي بسبب ماهيّته التي
ليست هي الوجود أو بسبب صفة أخرى ، لأنّ السبب متقدّم في الوجود ، ولا متقدّم بالوجود قبل الوجود » .
وأوضح قطب الدِّين الرازي هذا الكلام بقوله : « فما هو غير الوجود
هامش
( 1 ) المطالب العالية من العلم الإلهي ، مصدر سابق : ج 1 ص 309 .