يستكشفون الإمكان من طريق الحدوث ، ولذا تقدّم في برهان النفس الاستدلال من طريق حدوث النفس على إمكانها ، حيث قيل : « النفس الإنسانيّة مجرّدة عن المادّة ذاتاً ، حادثة ، فهي ممكنة » لأنّ كلّ حادث فهو ممكن .
ذ قوله ( قدس سره ) : « الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون » .
الصحيح أنّ السكون ليس أمراً حادثاً ، لأنّ الحدوث أمرٌ وجوديّ ، أمّا السكون فهو أمرٌ عدميّ ، وهو عدم الحركة ، وقد صرّح العلّامة الطباطبائي بذلك في المرحلة التاسعة حيث قال : « الحركة والسكون لا يجتمعان في جسم من جهة واحدة في زمان واحد ، فبينهما تقابل . والحركة وجوديّة ؛ لما تقدّم أنّها نحو الوجود السيّال ، لكن السكون ليس بأمر وجوديّ ، ولو كان وجوديّاً لكان هو الوجود الثابت وهو الذي بالفعل من كلّ جهة ، وليس الوجودات الثابتة وهي المجرّدة بسكون ولا ذوات سكون .
فالحركة وجوديّة والسكون أمرٌ عدميّ ، فليس تقابلهما تقابل التضايف والتضادّ وليسا بمتناقضين ، وإلّا صدق السكون على كلّ ما ليس له حركة كالعقول المفارقة التي هي بالفعل من كلّ جهة وأفعالها . فالسكون عدم الحركة ممّا من شأنه الحركة ، فالتقابل بينهما تقابل العدم والملكة » « 1 » .
ولذا لم يذكر السكون في معرض ردّه للإشكال المقدَّر بقوله : « وتغيّر أعراض الجوهر عندهم غير ملازم لتغيّر الجوهر . . . » فذكر التغيّر دون السكون ؛ ممّا يكشف عن أنّ الحدوث مختصّ بالحركة دون السكون ؛ لأنّ السكون عدم الحركة .
ومن الجدير بالذِّكر أنّ الاستدلال لا يتوقّف على كون السكون حادثاً ، بل يكفينا القول بأنّ كلّ متحرّك فهو حادث ، سواء كان السكون حادثاً أم لا ، لأنّ الجسم إذا ثبت أنّه متحرّك فهو حادث ، وقد تقدّم ثبوت الحركة في
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : ج 3 ص 218 .