وأمّا اعتباره إنّيّاً فالذي لايسلّم جري البراهين اللميّة في الفلسفة بتاتاً لا محيص له من اعتبار البرهان الإنّي ، والسيّد الماتن يرى هذا المبنى لا في هذه المسألة فحسب بل في كافّة البحوثات الفلسفيّة .
وقد أوعز قدس سره إلى ذلك في مواضع عديدة في هذا الكتاب ، وصارح له في مدخله قائلًا :
فالبراهين المستعملة فيها - أي في الفلسفة - ليست ببراهين لمّيّة وأمّا برهان الإنّ فقد تحقّق في كتاب البرهان من المنطق أنّ السلوك من المعلول إلى العلّة لا يفيد يقيناً ، فلا يبقى للبحث الفلسفي إلّابرهان الإنّ الذي يعتمد فيه على الملازمات العامّة فيسلك فيه من أحد المتلازمين العامّين إلى الآخر .
وهاهنا أيضاً أبدى الرأي - بالذات - فقال : ( وهو كما ستقف عليه ) آتياً أيضاً ( برهان إنّي يسلك فيه من لازم من لوازم الوجود ) المطلق ( إلى لازم آخر ) هذا .
ثمّ إنّا لم نجد للصدّيقين برهاناً يخصّهم ، وهذا ليس يعني أنّا ننكر البرهان بصفته للصدّيقين بل نعرب عن أنّهم لم يبدعوا أو يتّفقوا على رأي خاصّ حول ذلك لايمارسون عداه . فالقرآن الكريم والكتب الأُخرى المقدّسة ، وكذا نهج البلاغة والصحيفة السجادية وكلمات المعصومين - عليهم السلام - مشحونة عن براهين مختلفة . كما نرى في النهج أنّه عليه السلام تمسّك بأكثر البراهين السائدة يومذاك للعلماء والفلاسفة من ساذجها إلى خاصّها وأنيقها .
نعم ، لا ينكر بوجهٍ أبداً أنّ الباري تعالى معرفةً وإثباتاً للصدّيق العارف ليس كما يعرفه ويتصوّره الساذج من الناس . فإنّه يسلك منه إليه ، كما قال سيّد العارفين عليه السلام :
« يامن دلّ على ذاته بذاته ، وتنّزه عن مجانسة مخلوقاته . . . » إلخ . إضافةً إلى أنّ هذه المعرفة قد تُتاح لمن لايسمّيه العرف صدّيقاً بل له قلب سليم ، فليس بوليّ قاهر ، ولا إمام باهر ، ولاما يحوم حول الشأن . فلاحظ ودقّق .
شرح نهاية الحكمة — صفحة 648
مساهمون: علي علمي الاردبيلي
ص٦٤٨