الفصل الأوّل : في إثبات الوجود الواجبي
إنّ ( البراهين الدالّة على وجوده تعالى كثيرة متكاثرة ) فلسفيّة وعلميّة وطبيعيّة بل فطريّة وغيرها كما سيوعز إلى بعض الأهمّ منها فيما يأتي ( و ) لكن - في عين الوقت - ( أوثقها وأمتنها ) وأحكمها برهاناً وسداداً ( هو البرهان المتضمّن للسلوك إليه من ناحيّة الوجود ) لا يوسم الماتن رحمه الله البرهان بوسام وتوصيف بل يعني منه على النحو الكلّي كلّ برهان فيه ضمان السلوك إلى وجود الباري تعالى من صوب الوجود فحسب ، وهذا يعني السلوك من الوجود المطلق إلى الواجب بالذات ، فالنظر في هذا البرهان ليس إلّاإلى حقيقة الوجود بما هي هي ( وقد سمّوه ) الحكماء الإسلاميّون ( برهان الصدّيقين ) لم أقف لمن سمّاه أوّلًا بذلك ، لكنّ الأشبه أن يكون هو الشيخالرئيس في إشاراته ، ثمّ تبعه المتأخّر عنه . والسرّ في هذه التسمية ( لما أنّهم ) يعني الصدّيقين ( يعرّفونه تعالى به لا بغيره ) من البراهين بل يعرّفون غيره به ضرورة أجلائيّة المعرّف وأجلّيّته إطلاقيّاً عن المعرّف - بالفتح - دون العكس .
ويبقى أنّ هذا البرهان من أيّ أنواعه ؟ فمن الممكن عدّه من اللمّي ومن الإنّي .
أمّا اعتباره لمّياً فهذا ينتج لمن يسلّم جريان البراهين اللمّيّة في الفلسفيّات كاعتبار الإمكان مثلًا علّة حاجة الممكن إلى العلّة وفي خصوص الإلهيّات فمن الممكن مثلًا إمكان إثبات الأفعال الإلهّية من طريق الصفات التي هي عين الذات الإلهّية ، وهذا هو السلوك من العلّة إلى المعلول الذي هو اللمّي .