تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
لا مناص للإنسان من حاجته إلى الاتّصال بالأُمور المادّيّة والانتفاع بوجوهه من المادّيّات ، فالعلم الحصولي بهذا الاعتبار ( مأخوذ من معلوم حضوري ) و ( هو موجود مجرّد مثالي ) في الاحساسات والتخيّلات ( أو عقلي ) في العقليّات ( حاضر بوجوده الخارجي للمدرك وإن كان مدركاً من بعيد ) فالمدرك من قريب كالمشاهدات العرفانيّة الحاصلة للبعض ، ومن بعيد كالمشاهدات التي تتاح لمن لايتمكّن من النيل بالتقرّب إلى الحقائق المجرّدة ، كالمعتاد بالعلوم العاديّة الكلاسيكيّة . ( ولنرجع إلى ما كنّا بصدده من الكلام ) وما بدأنا به ( في تعريف العلم ، فنقول : حصول العلم ووجوده للعالم ممّا لا ريب فيه ) كما سلف ( و ) لكن ( ليس كلّ حصول ) فهو حصول علم للعالم ( كيف كان بل حصول أمر هو بالفعل فعليّة محضة لاقوّة فيه لشيء أصلًا ) ولاحالة انتظاريّة تترقّب شيئاً أو صورة أُخرى ( فإنّا نجد بالوجدان أنّ الصورة العلميّة من حيث هي ) صورة كذلك ( لا تقوى على صورة أُخرى ، ولاتقبل التغيّر عمّا هو عليه من الفعليّة ) رغم تكرّرها بعينها . إذاً ( فهو ) أي العلم ليس حصولًا مطلقاً بل ( حصول المجرّد من المادّة عارٍ من نواقص القوّة ونسمّي ذلك ) الحصول المجرّد ( حضوراً ) . ( فحضور شيء لشيء ) عبارة عن ( حصوله له بحيث يكون تامّ الفعليّة غير متعلّق بالمادّة بحيث يكون ناقصاً ) إذ المادّة ومتعلّقاتها أمر بالقوّة فنقصها لذلك ( من جهة بعض كمالاته الّتي في القوّة ) وبالقوّة فعليّاً . ( ومقتضى حضور العلم للعالم أن يكون العالم أيضاً تامّا ذا فعليّة في نفسه غير ناقصٍ من حيث بعض كمالاته الممكنة له ) الظاهر أنّها الأوّليّة والثانويّة . فتدبّر . ( وهو كونه مجرّداً من المادّة خالياً عن القوّة ) مجرّداً عن غواشيها وعليه ( فالعلم ) هو ( حصول أمر مجرّد من المادّة لأمر مجرّد ، وإن شئت ) الإيجاز في التعبير ( قلت ) : العلم ( حضور شيء لشيء ) وبذلك تؤول الحصولي إلى العلم الحضوري .