الفصل الحادي عشر : في العلّة الغائيّة وإثباتها
ليس بخاف دور العلّة الغائيّة لفاضل بل عاقل ، فهي الأصل والسبب الحادي للحركة في عالم المادّة والمعنى ، وبدونها لانزوع ولا هواية ولاهويّة . ولذا قال الفلاسفة القدامي : إنّها الأوّل في الفكر ، والآخر في العمل سيّما وقد ثبت أن لا موجود إلّا ويحمل غاية بلافارق للشاعر بها وغيره ، ولذلك عبّر عنها ابن سينا في الشفاء بأفضل أجزاء الحكمة وكذا تلامذته كبهمنيار في التحصيل وتبعهما صدر المتألّهين . وهذا الفصل يمارس أوّلًا أنّه ما الحركة ؟ وما نسبة الغاية وربطها إليها ؟ ثمّ يوعز إلى أقسام المتحرّكات والغاية في كلّ منها كالطبيعيّة التي لا إرادة لها ، والحيوانيّة التي للفاعل علم لها ، ولعلمه دخل في فعله والحركات الجوهريّة النوعيّة المادّيّة والحركات الجوهريّة المجرّدة كالعقول فيستنتج نهائيّاً أنّ لكلّ فاعل غاية في فعله .
وهذا هو المراد من العلّة الغائيّة في الفصل ، وبالجملة أهمّيّة هذه العلّة بنفسها وزان أهمّيّة ما يصدر مؤثّراً من هذه العلّة ، وهو كما أوعزنا إليه يشكّل جميع الأفعال بصدورها من غايات فواعلها . فبدأ الماتن رحمه الله أوّلًا لرابطة الحركة مع الغاية وما هي وكيف هي فقال :
( سيأتي إن شاء اللَّه ) في الفصل الثالث من المرحلة الآتية ( بيان أنّ الحركة كمال أوّل لما بالقوّة من حيث إنّه بالقوّة ) كما عرّفوا الحركة به ( فهناك ) في الخارج والواقع ( كمال ثان يتوجّه إليه المتحرّك بحركته المنتهية إليه فهو الكمال الأخير الذي يتوصّل إليه المتحرّك بحركته وهو ) أي الكمال الأخير ( المطلوب لنفسه ) أي مطلوبيّته ذاتيّة