تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
وقال صدر المتألّهين : « العلّة لها مفهومان : أحدهما : هو الشيء الذي يحصل من وجوده وجود شيء آخر ومن عدمه عدم شيء آخر . وثانيهما : هو ما يتوقّف عليه وجود الشيء فيمتنع بعدمه ولا يجب بوجوده » . « 1 » ثمّ إنّه يأتي هنا سؤال أنّ الذهن كيف تعرّف على العلّة والمعلول ؛ إذ لا شكّ أنّهما من المعقولات الثانية الفلسفيّة ، فليست بعارضة خارجاً حتّى يحسّ الإنسان بذلك بل العروض في الذهن وليس في الخارج إلّاالاتّصاف شأن كافّة المعقولات الثانية المذكورة ، وعليه فكيف تعرف النفس به لأنّه بحاجة إلى قياس شي بشيء ثمّ يرى أنّ أحدهما بحاجة إلى الآخر ، وكيف يتوصّل النفس الخليّة بهذا القياس مع عدم الخارجيّة الموضوع ؟ فقد يقال : إنّه حصل بالتجارب بأنّ كلّ ما وجد ألف - مثلًا - وجد الباء وهكذا . لكن هذا الجواب لاسدادة فيه ؛ إذ للمعارض أن يعترض أنّه من أين عرف أنّ الأوّل علّة الثاني فقديكون شيئان كذلك متعاقبان وضعاً كالليل والنهار ، ولاعلّيّة من أحدهما للآخر ؟ وقد نسب إلى ابن سينا أنّه أجاب بأنّ النفس لأوّل مرّة تجد رابطة بينها وبين ما يصدر منها فحسب ، كالإرادة والعلم وما إلى ذلك بالعلم الحضوري ، فترى نفسها علّة لأفعالها ، ثمّ ترفع الحصر وتعمّم ذلك إلى الخارج فتحكم بعلّيّة بعض الأشياء للبعض الآخر . ثمّ إنّ أصل العلّيّة ضروريّة إذ بدونها لا يسوغ كشفاً ولاحكماً علميّاً ولاإبداع أصل وقانون ، وذلك لأنّ كلّ ما ذكر رهين تسلّم أنّ بعض الأشياء علّة لبعضها ، وبدون ذلك لايتحصّل تكرّر علميّ ينتج من أصل كلّي أُخذ فيه بعض الأشياء علّة لكذا وكذا ، فلا يبقى مجال للعلم ولا الإخبار عن نتائج علوم وفنون وأعمال ولا انتظار أمر من مصدر ولا تسلّم سنّة ، فلا يستقرّ حجر على حجر . . . .
هامش
( 1 ) . الأسفار الأربعة ، ج 2 ، ص 127