( والضرورة ) ليست إلّا ( مناط الغنى عن العلّة والسبب والحدوث ) معناه ( هو كون وجود الشيء بعد عدمه . وإن شئت فقل : ) الحدوث ( هو ترتّب إحدى الضرورتين على الأُخرى ) أي ضرورة العدم على ضرورة الوجود ( و ) قد بان وثبت أنّ ( الضرورة كما عرفت ) ليست إلّا ( مناط الغنى عن السبب ) وعليه ( فما لم تعتبر الماهيّة بإمكانها ) أي لاتلاحظ به فحسب ( لم يرتفع الغنا ) عنها ( ولم تتحقّق الحاجة ) لها ( ولا تتحقّق الحاجة إلّابعلّتها ، وليس لها إلّاالإمكان ) .
فحصيلة هذا البرهان : أنّ الماهيّة تحمل ضرورة في نفسها إمّا الوجود ، وإمّا العدم في كلّحالة منهما ، ولا يعني من الضرورة سوى الغنى عن العلّة ، وأمّا الحدوث فلا يعنى منه عدا وجود شيء أو أمر بعد أن لم يكن ؛ لأنّ هذا معنى قولنا : حدث الغيم أو حدث اصطدام وغير ذلك . وهو في الواقع تحقّق ضرورة الوجود على ضرورة العدم لكنّ الضرورة مناط الغنى عن العلّة ، وهذا هو الخلف والتناقض . أمّا لو قلنا : إنّ اعتبار الماهيّة بإمكانها فحسب ، فهذا يعني أنّ حاجتها لاتزيح إلّابعلّة ، والفرض عدم علّة لها في رتبته الماهويّة .
ثمّ أشار قدس سره إلى ثانيتهما بما يلي : ( حجّة أُخرى ) لعلّيّة الإمكان للحاجة هي أنّه لوأخذنا الحدوث علّة الحاجة إلى العلّة ، لزم تقدّم الشيء على نفسه وهو المحال .
وقد لخّصه صدر المتألّهين قدس سره بقوله :
الحدوث كيفيّة نسبة الوجود المتأخّرة عنها ، المتأخّره - بدل - عن الوجود المتأخّر عن الإيجاد المتأخّر عن الحاجة المتأخّر عن الإمكان ، فإذا كان الحدوث هو علّة الحاجة بأحد الوجهين كان سابقاً على نفسه بدرجات . . . .
وتوضيحه : أنّ ( الحدوث - وهو كون الوجود مسبوقاً بالعدم - صفة الوجود الخاصّ فهو ) وجود ( مسبوق بوجود المعلول ) أي الشيء الحادث ( لتقدّم الموصوف ) وهو ذلك الشيء ( على الصفة ) وهي الحدوث . كما يقال : الجسم متّصف بصفة الحدوث
شرح نهاية الحكمة — صفحة 160
مساهمون: علي علمي الاردبيلي
ص١٦٠