قبله - قد اعتنى بأمرها جمع من الحكماء و بنوا عليها عدّة من المسائل .
و قد قرّر الاستدلال عليها صدر المتألّهين ، قدّس سرّه ، بأنّ الممكن الأخسّ إذا وجد عن البارى جلّ ذكره وجب أن يكون الممكن الأشرف قد وجد قبله ، و إلّا فان جاز أن يوجد معه وجب أن يوجد عن الواجب لذاته فى مرتبة واحدة لذات واحدة من جهة واحدة شيئان و هو محال ، و إن جاز أن يوجد بعد الأخسّ و بواسطة ، لزم كون المعلول أشرف من علّته و أقدم و هو محال ، و إن لم يجز أن يوجد لا قبل الأخسّ و لا معه و لا بعده مع أنّه ممكن بالامكان الوقوعىّ الذّى هو كون الشّىء بحيث لا يلزم من فرض وقوعه محال ، فلو فرض وجوده و ليس بصادر عن الواجب لذاته و لا عن شىء من معلولاته و هو على إمكانه ، فبالضّرورة وجوده يستدعى جهة مقتضية له أشرف ممّا عليه الواجب لذاته فيلزم أن يكون الممكن المفروض يستدعى بامكانه علة موجدة أعلى و أشرف من الواجب لذاته . و هو محال ، لأنّ الواجب لذاته فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى شدّة فالمطلوب ثابت .
و يمكن الاستدلال بما هو أوضح من ذلك فانّ الشّرافة و الخسّة المذكورتين وصفان للوجود ، مرجعهما إلى الشّدّة و الضّعف بحسب مرتبة الوجود ، فيرجعان إلى العلّيّة و المعلوليّة ، مآلهما إلى كون الشّىء مستقلّا موجودا فى نفسه و كونه رابطا قائما بغيره موجدا فى غيره ، فكلّ مرتبة من مراتب الوجود متقوّمة بما فوقها قائمة به و أخسّ منه و مقوّمة لما دونها مستقلّة بالنّسبة إليه و أشرف منه .
فلو فرض ممكنان أشرف و أخسّ وجودا كان من الواجب أن يوجد الأشرف قبل الأخسّ قبليّة وجوديّة و الّا كان الأخسّ مستقلّا غير رابط و لا متقوّم بالأشرف و قد فرض رابطا متقوّما به ، هذا خلف .
و المستفاد من الحجّتين ، أوّلا ، أنّ كلّ كمال وجودىّ هو أخسّ من كمال آخر وجودىّ ، فالأشرف منهما موجود قبل الأخسّ ، و الأشدّ منهما قبل الأضعف ، كالمرتبتين من الوجود المختلفتين شدّة و ضعفا و إن اختلفتا ماهيّة ، نظير العقلين الأوّل و الثّانى .
و أمّا إذ كان الأخسّ فردا مادّيّا لماهيّة فانّما تفيد القاعدة أنّ الكمال الذّى هو مسانخ له و أشدّ منه موجود قبله ، من غير أن تفيد أنّ ذلك الكمال الأشدّ فرد لماهيّة الأخسّ .
شرح نهاية الحكمة ( فارسى ) — صفحة 613
مساهمون: الشيخ حسين الحقاني
ص٦١٣