الذّات التّى يصيبه العدم قابلة له ، كالجواهر المادّيّة التّى تقبل العدم بزوال صورتها التّى هى تمام فعليّتها النّوعيّة و أن تكون الذّات التّى ينعدم كمالها باصابة الشّرّ قابلة لفقد الكمال ، اى أن يكون العدم عدما طاريا لها لا لازما لذاتها ، كالاعدام و النّقائص اللازمة للماهيّات الامكانيّة ، فانّ هذا النّوع من الأعدام منتزع من مرتبة الوجود وحده .
و بهذا تبيّن أنّ عالم التّجرّد التّامّ لا شرّ فيه ، إذ لا سبيل للعدم إلى ذواتها الثّابتة باثبات مبدئها و لا سبيل لعروض الأعدام المنافية لكمالاتها التّى تقتضيها و هى موجودة لها فى بدء وجودها .
فمجال الشّرّ و مداره هو عالم المادّة التّى تتنازع فيه الأضداد و تتمانع فيه مختلف الأسباب و تجرى فيه الحركات الجوهريّة و العرضيّة التّى يلازمها التغيّر من ذات إلى ذات و من كمال إلى كمال .
و الشّرور من لوازم وجوده المادّة القابلة للصّور المختلفة و الكمالات المتنوّعة المتخالفة غير أنّها كيفما كانت مغلوبة للخيرات حقيرة فى جنبها ، إذا قيست اليها .
و ذلك أنّ الاشياء - كما نقل عن المعلّم الأوّل - من حيث الخيرات و الشّرور المنتسبة إليها على خمسة أقسام : إمّا خير محض ، و إمّا خيرها غالب ، و إمّا شرّها غالب ، و إمّا متساوية الخير و الشّرّ . و الموجود من الأقسام الخمسة قسمان : هما الأوّل الذّى هو خير محض و هو الواجب تعالى الذّى يجب وجوده و له كلّ كمال وجودىّ و هو كلّ الكمال ، و يلحق به المجرّدات التّامّة ، و الثّالث الذّى خيره غالب ، فانّ العناية الالهيّة توجب وجوده ، لأنّ فى ترك الخير الكثير شرّا كثيرا .
و أمّا الأقسام الثّلاثة الباقية ، فالشّرّ المحض هو العدم المحض الذّى هو بطلان صرف لا سبيل إلى وجوده ، و ما شرّه غالب ، و ما خيره و شرّه متساويان تأباهما العناية الالهيّة التّى نظمت نظام الوجود على أحسن ما يمكن و أتقنه .
و أنت إذا تأمّلت أىّ جزء من أجزاء الكون وجدته أنّه لو لم يقع على ما وقع عليه بطل بذلك النّظام الكونىّ المرتبط بعض أطرافه ببعض من أصله و كفى بذلك شرّا غالبا فى تركه خير غالب .
شرح نهاية الحكمة ( فارسى ) — صفحة 592
مساهمون: الشيخ حسين الحقاني
ص٥٩٢