وجوداتها كاملة منزّهة عن القوّة و الاستعداد فليس صدور أفعالها منها لغرض و غاية تعود إليها من أفعالها و لم تكن حاصلة لها قبل الفعل لفرض تمام ذواتها ، فغايتها فى فعلها ذواتها التّى هى أظلال لذّات الواجب تعالى ، و بالحقيقة غايتها فى فعلها الواجب عزّ اسمه .
و يظهر ممّا تقدّم أنّ النّظام الجارى فى الخلقة أتقن نظام و أحكمه ، لأنّه رقيقة العلم الذّى لا سبيل للضّعف و الفتور إليه بوجه من الوجوه .
توضيحه أنّ عوالم الوجود الكلّيّة على ما سبقت إليها الاشارة ثلاثة عوالم ، لا رابع لها عقلا ، فانّها إمّا وجود فيه وصمة القوّة و الاستعداد لا اجتماع لكمالاته الأوّليّة و الثّانويّة الممكنة فى أوّل كينونته ، و إمّا وجود تجتمع كمالاته الأوّليّة و الثّانويّة الممكنة فى أوّل كينونته ، فلا يتصوّر فيه طروّ شىء من الكمال بعد ما لم يكن ، و الأوّل عالم المادّة و القوّة ، و الثّانى إمّا أن يكون مجرّدا من المادّة دون آثارها من كيف و كمّ و سائر الأعراض الطّارية للأجسام المادّية ، و إمّا أن يكون عاريا من المادّة و آثار المادّة جميعا ، و الأوّل عالم المثال و الثّانى عالم العقل .
فالعوالم الكلّيّة ثلاثة ، و هى مترتّبة من حيث شدّة الوجود و ضعفه و هو ترتّب طولىّ بالعلّيّة و المعلوليّة . فمرتبة الوجود العقلىّ معلولة للواجب تعالى بلا واسطة و علّة متوسّطة لما دونها من المثال ، و مرتبة المثال معلولة للعقل و علّة لمرتبة المادّة و المادّيّات ، و قد تقدّمت إلى ذلك إشارة و سيجىء توضيحه .
فمرتبة الوجود العقلىّ أعلى مراتب الوجود الامكانىّ و أقربها من الواجب تعالى و النّوع العقلىّ منحصر فى فرد ، فالوجود العقلىّ بما له من النّظام ظلّ للنّظام الرّبّانىّ الذّى فى العالم الرّبوبىّ الذّى فيه كلّ جمال و كمال . فالنّظام العقلىّ أحسن نظام ممكن و أتقنه ، ثمّ النّظام المثالىّ الذّى هو ظلّ للنّظام العقلىّ ، ثمّ النّظام المادّىّ الذّى هو ظلّ للمثال . فالنّظام العالمىّ العامّ أحسن نظام ممكن و أتقنه .
شرح نهاية الحكمة ( فارسى ) — صفحة 579
مساهمون: الشيخ حسين الحقاني
ص٥٧٩