الأدوات الموجودة . كما أنّ الخيّاط يقدّر ما يخيطه من اللّباس على الثّوب الذّى بين يديه ثمّ يخيط على ما قدّر ، و البّناء يقدّر ما يريده من البناء على القاعة من الأرض على حسب ما تسعه و تعين عليه الأسباب و الأدوات الموجودة عنده ، ثمّ يبنى البناء على طبق ما قدّر لأسباب متجددّة توجب عليه ذلك . فالتّقدير بالنّسبة إلى الشّىء المقدّر كالقاب الذّى يقلب به الشّىء فيحدّ به الشّىء بحدّ او حدود لا يتعدّاها .
و إذا اخذ هذا المعنى بالتّحليل حقيقيّا انطبق على الحدود التّى تلحق الموجودات المادّيّة من ناحية عللها الناقصة بما لها من الصّور العلميّة فى النّشأة التّى فوقها ، فانّ لكلّ واحدة من العلل النّاقصة بما فيها من الحيثيّات المختلفة أثرا فى المعلول يخصّصّ اطلاقه فى صفته و أثره . فاذا تمّ التّخصيص به تمام العلّة التّامّة حصل له التّعيّن و التّشخّص بالوجود الذّى تقتضيه العلّة التّامّة .
فللانسان مثلا خاصّة الرّؤية ، لكن لا بكلّ وجوده ، بل من طريق بدنه ، و لا ببدنه كلّه ، بل بعضو منه مستقرّ فى وجهه ، فلا يرى إلّا ما يواجهه ، و لا كلّ ما يواجهه ، بل الجسم .
و لا كلّ جسم ، بل الكثيف من الأجسام ذا اللّون . و لا نفس الجسم ، بل سطحه و لا كلّ سطوحه ، بل السّطح المحاذى . و لا فى كلّ وضع و لا فى كلّ حال و لا فى كلّ مكان و لا فى كلّ زمان . فلئن أحصيت الشّرائط الحافّة حول رؤية واحدة شخصيّة ألفيت جمّا غفيرا لا يحيط به الاحصاء ، و ما هى إلّا حدود الحقها بها العلل النّاقصة التّى تحدّ الرؤية المذكورة بما تضع فيها من أثر و منها ما يمنعه الموانع من التّأثير .
و هذه الحدود جهات وجوديّة تلازمها سلوب كما تبيّن آنفا ، و لها صور علميّة فى نشأة المثال التّى فوق نشأة المادّة تتقدّر بها صفات الأشياء و آثارها فلا سبيل لشىء منها إلّا إلى صفة او أثر ، هداه إليه التقدير .
فان قلت : لازم هذا البيان كون الانسان مجبرا غير مختار فى أفعاله .
قلت : كلّا ، فانّ الاختيار أحد الشّرائط التّى يحدّ بها فعل الانسان . و قد فصّلنا القول فى دفع هذه الشبهة فى مباحث الوجود و فى مباحث العلّة و المعلول .
فان قلت : هلّا عمّمتم القول فى القدر ، و هو ضرب الحدود للشّىء من حيث صفاته و
شرح نهاية الحكمة ( فارسى ) — صفحة 533
مساهمون: الشيخ حسين الحقاني
ص٥٣٣