تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الحكمة ( تعليق الفياضي ) — صفحة 994

مساهمون:

ص٩٩٤
يتعلّم العلوم الرياضيّة 28 . وهناك طائفتان من الشكّاكين دون من تقدّم ذكرهم . فطائفة يسلّمون الإنسان وإدراكاته ، ويظهرون الشكّ في ما وراء ذلك ؛ وطائفة أخرى تفطّنوا بما في قولهم : « نحن وإدراكاتنا » من الاعتراف بانّ للواحد منهم علما بوجود غيره من الأناسيّ وإدراكاتهم ، ولا فرق بين هذا العلم وبين غيره من الإدراكات في خاصّة الكشف عمّا في الخارج ، فبدّلوا الكلام من قولهم : أنا وإدراكاتي . ويدفعه أنّ الإنسان ربما يخطأ في إدراكاته 29 ، كأخطاء الباصرة واللّامسة وغيرها من أغلاط الفكر 30 ؛ ولولا أنّ هناك حقائق خارجيّة يطابقها الادراك أو لا يطابقها ، لم يستقم ذلك . على أنّ كون إدراك النفس وإدراك إدراكاتها إدراكا
شرح
28 - قوله قدّس سرّه : « وليؤمر أن يتعلّم العلوم الرياضيّة » وذلك لفائدتين الأولى : رياضة الذهن وإلمامه بالمعقولات حتّى يستعد لإدراك القضايا الفلسفيّة . ومن هنا كان أفلاطون قد كتب على باب مدرسته أنّه « من لم يحسن الهندسة فلا يدخل المدرسة » . الثانية : الالتفات إلى علوم نظريّة لا اختلاف فيها ، وذلك لوضوح مفاهيمها ، وبداهة شكل القياس فيها . فإنّ لمّيّة ابتعاد الرياضيّات عن الغلط - كمانبّه عليه الشيخ في الفصل الثاني من المقالة الثالثة من برهان الشفاء ص 196 ، ط . مصر - هو وضوح مفاهيمها ، وبداهة شكل القياس فيها . لا ما ذكره بعض الفلاسفة الغربيّين من أنّها هي التجربة ؛ فإنّ التجربة لا تفيد يقينا أصلا ، كيف وأنت ترى تبدّل الآراء في العلوم التجربيّة يوما بعد يوم ؟ ! 29 - قوله قدّس سرّه : « انّ الإنسان ربّما يخطأ في ادراكاته » لمّا كان هؤلاء الشكّاكون إنّما ذهبوا إلى الشكّ بحجّة خطأ الحواسّ - على حدّ تعبيرهم - صحّ اخذ المصنّف - رضوان اللّه تعالى عليه - من نفس دليلهم دفعا لمرامهم . وإلّا فلو كانوا لم يتمسّكوا بالخطأ لم يستقم دفع مدّعاهم بوجود الخطأ ؛ لأنّه كان لهم عند ذاك أن لا يقرّوا بوجود الخطأ . 30 - قوله قدّس سرّه : « من أغلاط الفكر » إشارة إلى أنّ الخطأ ليس للحواسّ ، بل للفكر في تفسير ما يناله من طريق الحواسّ .
نهاية الحكمة ( تعليق الفياضي ) — صفحة 994 | السيد محمدحسين الطباطبائي