وإن لم يعترف بعلمه بشكّه ، بل أظهر أنّه شاكّ في كلّ شيء وشاكّ في شكّه ليس يجزم بشيء لغت محاجّته ولم ينجع فيه برهان 21 .
وهذا الإنسان إمّا مصاب بآفة اختلّ بها إدراكه ، فليراجع الطبيب ؛ وإمّا معاند للحقّ ، يظهر ما يظهر ليدحض به الحقّ فيتخلّص من لوازمه ؛ فليضرب ، وليعذّب 22 ، وليمنع ممّا يحبّه ، وليجبر على ما يبغضه ؛ إذ كلّ شيء ونقيضه عنده سواء .
نعم ! بعض هؤلاء المظهرين للشكّ ممّن راجع العلوم العقليّة وهو غير مسلّح بالأصول المنطقيّة ولا متدرّب في صناعة البرهان 23 ، فشاهد اختلاف الباحثين
شرح
- فإنّه إذا اعترف بشكّه بوجدانه إيّاه الزم بعلمه بأمور أخرى يجدها أيضا ، إذ لا فرق بين الوجدانيّات في ذلك ، وإذا اعترف بقضيّة أولى الأوائل الزم بغيرها من الأوّليّات كذلك .
21 - قوله قدّس سرّه : « لم ينجع فيه برهان »
في قواميس اللغة « لم ينجع » ، بخلاف ما في النسخ من قوله : « لم ينجح » ؛ ولذا قال المصنّف قدّس سرّه في بداية الحكمة : « لم ينجع »
22 - قوله قدّس سرّه : « فليضرب وليعذّب »
قال الشيخ في الفصل الثامن من المقالة الأولى من إلهيّات الشفاء ص 53 ط . مصر : « وأمّا المتعنّت فينبغي أن يكلّف شروع النّار ، إذ النّار واللانار واحد ؛ وأن يولم ضربا ، إذ الوجع واللّاوجع واحد ؛ وأن يمنع الطعام والشراب ، إذ الأكل والشرب وتركهما واحد . » انتهى .
23 - قوله قدّس سرّه : « ولا متدرّب في صناعة البرهان »
وجه تخصيصه بالذكر ، أنّ المفيد للحقّ واليقين هو البرهان فقط ، دون سائر الصناعات ، ولذا عدّه الشيخ فريضة وسائر الصناعات نافلة . قال في كتاب البرهان من الشفاء ، ص 54 : « الغرض الأفضل . . . هو التوصّل إلى كسب الحقّ واليقين . وهذا الغرض يفيده هذا الفن ، دون سائر الفنون .
والأولى في كلّ شيء أن يقدّم الأهمّ ، وأن يصرف الشغل إلى الفرض قبل النفل . فأمّا ما يفيده سائر الفنون ، فكان من الأمور التي ينتفع ببعضها في الأمور المدنيّة المشتركة ، دون استفادة الكمالات الخاصّيّة ، إلّا ما يتعلّم منه على سبيل ما يتعلّم الشرّ ليحذر . والكمال الخاصّ قبل -