علميّا ، وكون ما وراء ذلك من الإدراكات شكوكا ، مجازفة بيّنة 31 .
ومن السفسطة قول القائل : إنّ الذي يفيده البحث التجربيّ أنّ المحسوسات ، بما لها من الوجود الخارجيّ ، ليست تطابق صورها التي في الحسّ 32 ، وإذ كانت العلوم تنتهي إلى الحسّ ؛ فلا شيء من المعلوم يطابق الخارج ، بحيث يكشف عن حقيقته 33 .
شرح
31 - قوله قدّس سرّه : « مجازفة بيّنة »
لما مرّ آنفا من أنّه لا فرق بين هذا العلم وبين غيره من الإدراكات في خاصّة الكشف عمّا في الخارج .
لا يقال : لا مجازفة ؛ فإنّ إدراك النفس وإدراك إدراكاتها علوم حضوريّة ، والعلم الحضوريّ لا يحتمل الخطأ ، بخلاف إدراكاتنا لما وراءنا التي هي علوم حصوليّة . فإنّه يقال : إدراك النفس ذاتها وإدراكها لإدراكاتها بالعلم الحضوريّ خارج عن محلّ الكلام ، لأنّ المقسم للبديهيّ والنظريّ هو العلم الحصوليّ . وقولهم : « أنا وإدراكاتي » علم حصوليّ .
إن قلت : إدراك النفس ذاتها وإدراكاتها وإن كان إدراكا حصوليّا ، لكنّه مأخوذ من معلوم حضوريّ ، وهو السبب في كشفه عن الواقع . وهذا بخلاف سائر الإدراكات .
قلت : الكشف والحكاية من الخواصّ اللازمة بل من مقوّمات العلم الحصوليّ ، من دون فرق بين ما يؤخذ من معلومات حضوريّة وبين ما لا يؤخذ منها .
هذا مضافا إلى ما أثبته المصنّف قدّس سرّه في الفصل الأوّل ، من أنّ العلوم الحصوليّة بأجمعها مأخوذة من معلومات حضوريّة ، هي المجرّدات العقليّة أو المثاليّة التي تحضر بوجوداتها عند النفس فتشاهدها مشاهدة حضوريّة .
32 - قوله قدّس سرّه : « أنّ المحسوسات ، بما لها من الوجود الخارجيّ ، ليست تطابق صورها التي في الحسّ »
قال في بداية الحكمة حكاية عنهم : « إنّ الصوت ، بما له من الهويّة الظاهرة على السمع ، ليس له وجود في خارجه ؛ بل السمع إذا اتّصل بالارتعاش بعدد كذا ، ظهر في السمع في صورة الصوت ؛ وإذا بلغ عدد الارتعاش كذا ارتعاشا ، ظهر في البصر في صورة الضوء واللون . » انتهى .
33 - قوله قدّس سرّه : « حقيقته »
هذا هو الصحيح ، بخلاف ما في النسخ من قوله : « حقيقة »