ويدفعه 34 أنّه إذا كان الحسّ لا يكشف عن حقيقة المحسوس على ما هو عليه في الخارج ، وسائر العلوم منتهية إلى الحسّ ، حكمها حكمه ، فمن أين ظهر أنّ الحقائق الخارجيّة على خلاف ما يناله الحسّ 35 ، والمفروض أنّ كلّ إدراك حسّي أو منته إلى الحسّ ، ولا سبيل للحسّ إلى الخارج ؟ ! فمآل القول إلى السفسطة ، كما أنّ مآل القول بأنّ الصور الذهنيّة أشباح للأمور الخارجيّة إلى السفسطة .
ومن السفسطة أيضا قول القائل : إنّ ما نعدّه علوما ظنون ، ليست من العلم المانع من النقيض في شيء .
ويدفعه أنّ هذا القول : « إنّ ما نعدّه علوما ظنون » ، بعينه قضيّة علميّة ؛ ولو كان ظنّيّا ، لم يفد أنّ العلوم ظنون ، بل أفاد الظنّ بأنّها ظنون 36 . فتأمّله واعتبر .
وكذا قول القائل : إنّ علومنا نسبيّة ، مختلفة باختلاف شرائط الوجود ، فهناك
شرح
34 - قوله قدّس سرّه : « يدفعه »
هذا جواب نقضيّ . ويضاف إليه أيضا أنّه لو كانت العلوم كلّها منتهية إلى الحسّ ، وكان الحسّ لا يكشف عن حقيقة المحسوس ، فمن أين حصل هذا القول الذي اخترتموه ، فإن كان لا يكشف عن حقيقة ، فهو باطل ، وإن كان يكشف عنها نقض نفسه .
هذا كلّه في مقام النقض والمناقضة .
وأمّا الجواب الحلّيّ فهو أنّ الاستدلال المذكور باطل صغرى وكبرى . أمّا الصغرى فلأنّ العلوم ليست كلّها حسّيّة أو منتهية إلى الحسّ ، وأمّا الكبرى فلأنّ عدم مطابقة الموجودات الخارجيّة لصورها التي في الحسّ في بعض الأمور ، لا يقتضي عدم مطابقة الصور التي في الحسّ لواقعيّاتها الخارجيّة مطلقا .
35 - قوله قدّس سرّه : « فمن أين ظهر أنّ الحقائق الخارجيّة على خلاف ما يناله الحسّ »
قال في بداية الحكمة في هذا المقام : « . . . من أدرك أنّ حقيقة الصوت ارتعاش بعدد كذا ؟ ! وحقيقة المبصر في خارج البصر ارتعاش بعدد كذا ؟ ! » انتهى .
36 - قوله قدّس سرّه : « بل أفاد الظنّ بأنّها ظنون »
والظنّ لا يغني من الحقّ شيئا .