الفصل الرابع والعشرون في دوام الفيض
قد تبيّن في الأبحاث السابقة أنّ قدرته تعالى هي مبدئيّته للإيجاد وعلّيّته لما سواه ؛ وهي عين الذات المتعالية . ولازم ذلك ، دوام الفيض 1 ، واستمرار الرحمة ، وعدم انقطاع العطيّة .
ولا يلزم من ذلك دوام عالم الطبيعة ، لأنّ المجموع ليس شيئا وراء الأجزاء 2 ، وكلّ جزء حادث مسبوق بالعدم .
ولا تكرّر في وجود العالم 3 .
شرح
1 - قوله قدّس سرّه : « لازم ذلك دوام الفيض »
لأنّ المبدء وإن كان بمعنى الفاعل ، إلّا أنّ الفاعل هنا علّة تامّة ، إذ لا يتصوّر هناك أمر غير الواجب ينضمّ إليه حتّى يتمّ بذلك عليّته للعالم . فهل يمكن أن يفرض وجود وراء الواجب والعالم ، بعد براهين التوحيد ؟ !
2 - قوله قدّس سرّه : « لأنّ المجموع ليس شيئا وراء الأجزاء »
إشارة إلى ما مرّ في الفصل السابق من بيان حدوث العالم المادّيّ زمانا .
ولا يخفى عليك : أنّه - لو تمّ - يثبت انقطاعه ، كما يثبت حدوثه ، حيث إنّ كلّ جزء من الحركة منقطع ملحوق بالعدم ، والعالم ليس وراء الأجزاء ، فالعالم أيضا منقطع ملحوق بالعدم ، أي إنّه ليس بأبديّ ، كما أنّه ليس بأزليّ .
3 - قوله قدّس سرّه : « لا تكرّر في وجود العالم »
دفع لما يتوهّم من أنّ عالم الطبيعة دائم لما فيه من تكرّره كورا بعد كور ، وإن لم يكن كلّ دور منه دائما لأجل ما ذكر من الدليل على حدوثه وانقطاعه زمانا . -