وبهذا تبيّن أنّ عالم التجرّد التامّ لا شرّ فيه ؛ إذ لا سبيل للعدم إلى ذواتها الثابتة بإثبات مبدئها 25 ، ولا سبيل لعروض الأعدام المنافية لكمالاتها التي تقتضيها وهي موجودة لها في بدء وجودها 26 .
فمجال الشرّ ومداره هو عالم المادّة ، التي تتنازع فيه الأضداد ، وتتمانع فيه مختلف الأسباب ، وتجري فيه الحركات الجوهريّة والعرضيّة ، التي يلازمها التغيّر من ذات
شرح
- ولكنّ الحقّ أنّ العدم المضاف - ومنه عدم الملكة - إنّما ينتزع من نفس العدم ، وينسب إلى الوجود لمقارنة الوجود للعدم المنتزع عنه .
قوله قدّس سرّه : « فإنّ هذا النوع من الأعدام منتزع من مرتبة الوجود وحدّه »
ولا يمكن للوجود أن يتعدّى حدّ وجوده ، فليس له قابليّة لكمال أكثر حتّى يكون فقدانه شرّا ، فالوجود المثاليّ لا يمكنه أن يتعدّى حدّ وجوده ويصير وجودا عقليّا . والعقل الثاني لا يمكنه أن يصير عقلا أوّلا ، وهكذا .
وبعبارة أخرى : لا يكون في هذه الصور ما فرض من الكمال كمالا لهذا الوجود حتّى يكون فقدانه شرّا له .
وإن شئت فقل : إنّ الشرّ عدم ملكة الخير ، فكلّما لم يكن للموضوع قابليّة لخير ، لم يكن فقدانه لذلك الخير شرّا له .
25 - قوله قدّس سرّه : « الثابتة بإثبات مبدئها »
وصف مشعر بالعلّيّة ، فهو تلويح إلى برهان المسألة ، وهو أنّ المجرّد مكتف بالفاعل لا يحتاج إلى شيء آخر ، فالفاعل علّة تامّة له ، وهو هنا الواجب بالذات أو مجرّد آخر واجب وجوده بوجود الواجب ، فلا سبيل للعدم إليه .
26 - قوله قدّس سرّه : « وهي موجودة لها في بدء وجودها »
الواو للحال ، والجملة في محلّ التعليل لسابقتها ؛ فإنّ الوجه في عدم إمكان عروض العدم لكمالات المجرّدات الثانية هو أنّ كمالاتها تلك توجد ككمالها الأوّل بمجرّد علّتها الفاعليّة ، لا تحتاج إلى قوّة واستعداد ومعدّ وعدم عروض مانع . وإذا كان الفاعل علّة تامّة ووجود المعلول واجب عند وجود العلّة التامّة ، فلا سبيل لعروض العدم لكمالاتها الثانية ، حيث لا سبيل للعدم إلى الفاعل الواجب الذي هو علّة تامّة .