- الإدراك أو نوعا آخر من الكيف النفسانيّ . وأمّا معناه التحليليّ الفلسفيّ فينحصر في الأمر العدميّ ، ويكون اتّصاف بعض الوجودات به اتّصافا بالعرض ، نظير اتّصاف الماهيّة بالوجود .
والحاصل : أنّ الألم أمر وجوديّ بلا شبهة ، وشرّ حقيقيّ بالنظر الجليل العرفيّ ، وإنّما يكون منشأه زوال الراحة الذي هو نقص لكمال النفس في مرتبتها النازلة . لكن بالنظر الدقيق الفلسفيّ يكون الألم شرّا بالعرض ، وأمّا الشرّ بالذات فهو تلك الجهة العدميّة . فالمراد بلفظة « بالذات » في قولهم « العدم شرّ بالذات » هو أنّ الجهة العدميّة هي التي تتّصف أوّلا وفي الرتبة المتقدّمة بالشرّ في النظر التحليليّ العقليّ الدقيق ، حيث تتميّز جهته الوجوديّة عن جهته العدميّة . وأمّا ما يقال :
« الألم شرّ بالذات » ، فهو في مقابل اتّصاف بعض اللّذّات بالشرّ من حيث استتباعها لألم أشدّ ، فتفطّن . » انتهى .
وقال الحكيم السبزواريّ في تعليقته على الأسفار ج 7 ، ص 65 :
« الألم بما هو وجوديّ وجع ، وبما هو وجع خير وليس شرّا بالذات . ولكن فرق بين كون الشيء خيرا في ذاته وبين كونه ملائما لشيء ، فمجرّد عدم الملائمة لشخص ، الناشئ من انفعاله وضعف نفسه لا يخرجه عن الخيريّة ، ثمّ كيف يكون ذلك الوجود شرّا في ذاته وماهيّته والحال أنّ كلّ وجود ملائم ماهيّته ومسؤول عينه الثابت ؟ ! والذي يدلّك دلالة واضحة عليه أنّه لو كانت الآلام شرورا بالذات - والذاتيّ لا يختلف ولا يتخلّف - لكانت هذه في علم اللّه تعالى أيضا شرورا ، ولا سيّما أنّ علمه تعالى بها حضوريّ وهو عين المعلوم ، وحيث لا يحكم عليها بالشرّيّة هناك - لفعّاليّته وكون علمه تعالى فعليّا وخيرا كلّه ، وعدم انفعاله وتأثّره ؛ إذ لا مادّة ولا ماهيّة له وراء الإنّيّة البحتة - علمنا أنّ شرّيّة الأوجاع في علمنا ليست باعتبار كونها إدراكات ووجودات ، بل باعتبار الانفعالات والتأثّرات ، وهي عدميّات ، فثبت أنّ الشرور بالذات أعدام . »
قوله قدّس سرّه : « كتفرّق الاتّصال »
يبدو أنّ تفرّق الاتّصال لمّا كان في مرتبة الطبيعة من مراتب النفس ، لا تعلم به النفس . إلّا كما تعلم بالأمور الخارجة عنها ، من الجسم والجسمانيّات ، وذلك بالإبصار أو اللمس . فلا موقع لأن تعلم به علما حضوريّا . فالأولى التمثيل بمثل الجهل والعمى . -
نهاية الحكمة ( تعليق الفياضي ) — صفحة 1201
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٢٠١