وذهب جمع آخر من المتكلّمين - وهم الأشاعرة ومن تبعهم - إلى أن كلّ ما هو موجود غير الواجب بالذات 27 ، من ذات ، أو صفة ، أو فعل ، فهو بإرادة الواجب بالذات ، من غير واسطة 28 . فالكلّ أفعاله ؛ وهو الفاعل ، لا غير 29 .
شرح
- لا يخفى عليك : أنّ هذه الجملة أنسب بالجواب الأوّل الذي هو جواب أرسطو .
ويؤيّده أنّه أتى في بداية الحكمة في الفصل الثالث من المرحلة الثانية عشرة بما في معناه في مطاوي كلمات أرسطو في هذا المقام .
27 - قوله قدّس سرّه : « إلى أنّ كلّ ما هو موجود غير الواجب بالذات »
حاصل مذهبهم في هذا الباب أنّ اللّه تعالى - لكونه خالق كلّ شيء - فاعل لكلّ موجود ولآثاره وأفعاله بلا واسطة ، بمعنى أنّه ليس لشيء غيره تعالى تأثير في شيء ، ولا له أدنى مدخليّة في وجوده ، فلا توقّف لشيء على شيء آخر غيره تعالى . والإنسان قادر مختار ، لكن لا مدخل لإرادته واختياره في حصول الفعل ، وإنّما اللّه تعالى يوجد الفعل مقارنا لإرادته ، كما يوجد الإرادة مقارنا لشوقه ، والشوق مقارنا لتصديقه بالفائدة ، وهكذا يوجد كلّ ما نسمّيه أثرا لشيء مقارنا لمؤثّره .
والمقارنة التي بين وجود الفعل بإيجاده تعالى وبين إرادة العبد ، تسمّى في اصطلاحهم بالكسب ، فالفعل عندهم مخلوق للباري مكسوب للعبد . وهذا الكسب هو المصحّح للثواب والعقاب . وعليه يحملون قوله تعالى :« لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ».
فما نسمّيه سببا أو فاعلا أو علّة ، مجرّد عادة منّا في هذه التسمية ، نشأت من جريان عادة اللّه تعالى بإيجاد أشياء مقارنا لأشياء اخر . والأفعال كلّها جبريّة ، وإن كانت الفواعل العاديّة مختلفة ، بعضها مختار كالإنسان ، وذلك لأنّ اختيار الفاعل لا دخل له في الفعل أصلا .
28 - قوله قدّس سرّه : « من غير واسطة »
أي : من غير دخالة شيء غيره تعالى ، سواء أكان فاعلا مفيضا أم شرطا ومعدّا يتوقّف عليه المعلول .
فنفي الواسطة في كلامهم بمعنى نفي مطلق العلّة . وهذا بخلاف نفي الواسطة في طريقة الراسخين فإنّه كان بمعنى نفي الفاعل المفيض فقط ؛ فإنّهم يرون الإنسان وسائر الأسباب شرائط ، يتوقّف عليها وجود الأفعال والمسبّبات توقّف المعلول على شرطه .
29 - قوله قدّس سرّه : « هو الفاعل ، لا غير » -