مثاليّ أو عقليّ حاضر بوجوده الخارجيّ للمدرك ، وان كان مدركا من بعيد 47 .
ولنرجع إلى ما كنّا بصدده ، من الكلام في تعريف العلم ؛ فنقول : حصول العلم ووجوده للعالم ممّا لا ريب فيه 48 ؛ وليس كلّ حصول كيف كان ، بل حصول أمر هو
شرح
- هي بأنفسها علوم حضوريّة ، بينما يذهب هيهنا إلى أنّ العلوم الحصوليّة تنتهي إلى العلوم الحضوريّة ، وتكون مأخوذة منها ، فكيف التوفيق ؟
قلت : هنا مقامان :
المقام الأوّل : أنّ الصور العلميّة الحاصلة للنفس معلومة لها علما حضوريّا ، وإليه يشير في ما في بداية الحكمة .
المقام الثاني : أنّ هذه الصور العلميّة المعلومة للنفس بعلم حضوريّ مأخوذة من حقائق مثاليّة أو عقليّة ، تكون هي أيضا معلومة لها بعلم حضوريّ . وهذا هو الذي بيّنه هاهنا .
ولا يخفى عليك أيضا : أنّ كلامه في هذا الكتاب كثيرا ما يبتني على ما ذهب إليه في بداية الحكمة ، فإنّ إباءه عن قبول ما ذهب إليه الجمهور من كون العلم الحصوليّ كيفا نفسانيّا - كما مرّ في المرحلة الثالثة وفي الفصل الخامس عشر من المرحلة السّادسة - إنّما يستقيم على ذلك المذهب ، وإلّا فعلى ما ذهب إليه هنا ، فما يضطرّ إليه العقل ويأخذه من المجرّدات المعلومة بالعلم الحضوريّ كيف نفسانيّ .
47 - قوله قدّس سرّه : « وان كان مدركا من بعيد »
معنى كونه مدركا من بعيد ، أنّ النفس لكونها محاطة بذلك المجرّد - من جهة أنّها متعلّقة بالمادّة مخلدة إلى الأرض - لا يمكنها أن تدركه حقّ إدراكه وكما يدرك الشيء من قريب ؛ فهي بعيدة عنه ، وان كان هو قريبا منها محيطا بها ، حيث إنّ المثال والعقل محيطان بعالم المادّة ، داخلان فيه لا بممازجة ، فالبعد إنّما هو من طرف واحد .
48 - قوله قدّس سرّه : « حصول العلم ووجوده للعالم ممّا لا ريب فيه »
ليس المراد بكون وجود العلم للعالم كونه موجودا لغيره بالمعنى المصطلح الذي مرّ في الفصل الثالث من المرحلة الثانية ، إذ قد صرّح في هذا الفصل بكون الصورة العلميّة قائمة بنفسها ، وهي مبدء فاعليّ للمعلوم بالعرض ؛ بل المراد كونه حاضرا للعالم مشهودا له . -