موجود مجرّد 42 ؛ هو مبدء فاعليّ لذلك الأمر ، واجد لما هو كماله 43 ؛ يحضر بوجوده 44 الخارجيّ للمدرك ، وهو علم حضوريّ ؛ ويتعقّبه انتقال المدرك 45 إلى ما لذلك
شرح
42 - قوله قدّس سرّه : « هو موجود مجرّد »
لا يخفى عليك : أنّ هذا الموجود واحد - هو العقل الفعّال عند المشّائين ، وربّ نوع الانسان عند الإشراقيّين - ولكنّه بوحدته واجد لجميع الصور الكلّيّة ، ترتبط معه النفس المستعدّة للتعقّل على قدر ما استعدّت له ، وتستفيض منه ، فيحصل لها المفهوم الكليّ . هذا في العلم العقليّ .
وكذا في العلم الحسّيّ والخياليّ ، هو جوهر مجرّد مثاليّ واحد ، واجد بوحدته لجميع الصور الجزئيّة ، على نحو العلم الاجماليّ ، ترتبط معه النفس ، فيفيض عليها الصور الجزئيّة . كما سيأتي في الفصل السابع .
43 - قوله قدّس سرّه : « هو مبدء فاعليّ لذلك الأمر ، واجد لما هو كماله »
قوله : « واجد لما هو كماله » وصف مشعر بالعلّيّة ؛ فإنّ فاعل الموجود المادّيّ وإن لم يكن إلّا أمرا مجرّدا ، إلّا أنّه لا يكفي في علّيّة شيء مجرّد لموجود مادّيّ مجرّد كونه موجودا مجرّدا ، بل لا بدّ من أن يكون واجدا لما هو كماله بنحو أعلى وأشرف ، مسانخا له . والمجرّد المثاليّ أو العقليّ الحاضر لدى النفس مسانخ للموجود المادّيّ ، واقع في درجة أعلى ، فالانسان المادّيّ مثلا معلول لموجود مجرّد مثاليّ ، واجد بالفعل لجميع الكمالات التي للإنسان بالفعل أو بالقوّة بنحو أعلى وأشرف ، نسمّيه بالإنسان المثاليّ ، وهو معلول لموجود مجرّد عقليّ واجد لكمالاته بنحو أعلى وأشرف ، وعلّة العلّة علّة ، فالموجود المادّيّ كما أنّه معلول لمسانخه المثاليّ معلول لمسانخه العقليّ أيضا .
44 - قوله قدّس سرّه : « بوجوده »
والصحيح ما أثبتناه ، بخلاف ما في النسخ من قوله : « بوجودها » .
45 - قوله قدّس سرّه : « يتعقّبه انتقال المدرك »
لولا هذه الجملة وما بعدها لكان كلامه قدّس سرّه هنا مطابقا لما في بداية الحكمة ، من أنّ العلوم الحصوليّة علوم حضوريّة . ولكن هذه الجملة وما بعدها تدلّ على أنّ مقصوده هنا شئ آخر ، وهو ما ذكرنا من أنّ العلوم الحصوليّة مأخوذة من علوم حضوريّة ، وأنّ هذا المعنى هو مراده قدّس سرّه من -