فقد تحصّل بما تقدّم أنّ الصورة العلميّة كيفما كانت 37 مجرّدة من المادّة ، خالية عن القوّة . وإذ كانت كذلك ، فهي أقوى وجودا 38 من المعلوم المادّيّ الذي يقع عليه الحسّ وينتهي إليه التخيّل والتعقّل ، ولها آثار وجودها المجرّد . وأمّا آثار وجودها الخارجيّ المادّيّ الذي نحسبه متعلّقا 39 للإدراك ، فليست آثارا للمعلوم بالحقيقة 40 - الذي يحضر عند المدرك - حتّى تترتّب عليه أو لا تترتّب ؛ وإنّما هو الوهم يوهم للمدرك أنّ الحاضر عنده حال الإدراك هو الصورة المتعلّقة بالمادّة خارجا ، فيطلب آثارها الخارجيّة ، فلا يجدها معه ، فيحكم بأنّ المعلوم هو الماهيّة بدون ترتّب الآثار الخارجيّة . فالمعلوم ، عند العلم الحصوليّ بأمر له نوع تعلّق بالمادّة 41 ، هو
شرح
37 - قوله قدّس سرّه : « الصورة العلميّة كيفما كانت »
أي : سواء كانت حسيّة أم خياليّة أم عقليّة .
38 - قوله قدّس سرّه : « فهي أقوى وجودا »
لأنّ الفعليّة المحضة ، التي لا تشوبها قوّة ولا يخالطها استعداد ، أقوى وأشدّ وجودا ممّا هو بالقوّة محضا ، كالهيولى الأولى ، أو تشوبه القوّة ويخالطه الاستعداد ، كالطبائع الماديّة . كما سيأتي في الفصل التاسع عشر من المرحلة الثانية عشرة .
39 - قوله قدّس سرّه : « الذي نحسبه متعلقا »
الصحيح ما أثبتناه ، بخلاف ما في النسخ من قوله : « التي نحسبها متعلّقة » .
40 - قوله قدّس سرّه : « للمعلوم بالحقيقة »
ويسمّى المعلوم بالذات .
41 - قوله قدّس سرّه : « بأمر له نوع تعلّق بالمادّة »
النظر البدويّ كان يرى أنّ العلم الحصوليّ على قسمين ، قسم يكون ما ينتزع عنه العلم مجرّدا ، كالعلم الحصوليّ بالنفس وصفاته ، وقسم يكون ما ينتزع عنه العلم مادّيّا ، كالعلم الحصوليّ بالأشياء الخارجة عن النفس من المادّيّات . والفرق بين النظر البدويّ وبين النظر الدقيق إنّما كان في القسم الثاني ، ولهذا أتى بقوله : « بأمر له نوع تعلّق بالمادّة » ، وإلّا فالعلم الحصوليّ مطلقا مأخوذ في النظر الدقيق من العلم الحضوريّ .