يرتزق به ؛ وإذا اعتبر من حيث إنّه لا بنفسه بل بغيره الذي هو علّته الفيّاضة له ، صدق على ذلك الغير أنّه رازق له ، ثمّ صدق على الرزق أنّه عطيّة ، ونعمة ، وموهبة ، وجود ، وكرم بعنايات اخر مختلفة ، وصدق على الرازق أنّه معط ، منعم ، وهّاب ، جواد ، كريم ، إلى غير ذلك . وعلى هذا القياس سائر الصفات الفعليّة المتكثّرة بتكثّر جهات الكمال في الوجود .
وهذه الصفات الفعليّة صادقة عليه تعالى صدقا حقيقيّا 6 ، لكن لا من حيث خصوصيّات حدوثها 7 وتأخّرها عن الذات المتعالية ، حتّى يلزم التغيّر فيه - تعالى وتقدّس - وتركّب ذاته من حيثيّات متغايرة كثيرة ؛ بل من حيث إنّ لها أصلا في الذات ينبعث عنه كلّ كمال وخير . فهو تعالى بحيث يقوم به كلّ كمال ممكن في موطنه الخاصّ به 8 .
شرح
6 - قوله قدّس سرّه : « صادقة عليه تعالى صدقا حقيقيّا »
حاصله : أنّ صفات الفعل ، وإن كانت صفات للفعل حقيقة ، وليست بصفات له تعالى حقيقة ، وإنّما تنسب إليه تعالى باعتبار نسبة الفعل إلى ذاته تعالى . لكن لها أصل يتّصف به الذات حقيقة ، حيث إنّه من صفات الذات . وذلك الأصل هو القدرة .
فكونه تعالى بحيث إن كان هناك خلق فهو خالقه ، وإن كان هناك رزق فهو رازقه ، وإن كان هناك هبة فهو واهبه - وجامع جميع ذلك هي القدرة - من صفات ذاته تعالى .
وقد مرّ منّا أنّ صفات الفعل كما يستعمل بمعانيها التي هي صفات الفعل ، يستعمل بمعنى القدرة عليها . وليس ذلك إلّا لأنّ القدرة أصل جميع صفات الفعل في ذاته تعالى .
7 - قوله قدّس سرّه : « لا من حيث خصوصيّات حدوثها »
يعني الحدوث الذاتيّ في جميعها ، والزمانيّ مع ذلك في بعضها ؛ فإنّ جميع أفعاله تعالى حادثة حدوثا ذاتيّا ، وبعضها مع ذلك حادث زمانيّ أيضا .
8 - قوله قدّس سرّه : « فهو تعالى بحيث يقوم به كلّ كمال ممكن في موطنه الخاصّ به »
وهذا أصل صفة القيّوم الذي يكون جامعا لجميع صفات الفعل ، فهو أصل لجميع صفات -