والحقّ هو القول الأوّل وذلك لما تحقّق أنّ الواجب بالذات علّة تامّة 6 ، ينتهي إليه كلّ موجود ممكن ، بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط ، بمعنى أنّ الحقيقة الواجبيّة هي العلّة بعينها . وتحقّق أيضا أنّ كلّ كمال وجوديّ في المعلول ، فعلّته في مقام علّيّته واجدة له بنحو أعلى وأشرف . فللواجب بالذات كلّ كمال وجوديّ مفروض 7 . على
شرح
6 - قوله قدّس سرّه : « تحقّق أنّ الواجب بالذات علّة تامّة »
فهي علّة تامّة للصادر الأوّل بلا واسطة ؛ فإنّ العلّة إنّما تكون ناقصة إذا لم تكن واجدة لجميع ما يتوقّف عليه وجود المعلول ، وبعد ما ثبتت وحدة الواجب ، لا يمكن أن يفرض هناك شيء غير الواجب يكون الصادر الأوّل متوقّفا عليه ، وإلّا لم يكن ما فرض صادرا أوّلا صادرا أوّلا .
وإذا كان الواجب علّة تامّة للصادر الأوّل ، كان علّة تامّة لسائر الممكنات ، ولكن مع الواسطة ؛ إذ العلّة إنّما تكون ناقصة إذا توقّف المعلول على شيء آخر غيرها أيضا ، بحيث يكون المجموع علّة تامّة واحدة لوجود المعلول . فلو كان مجموع الواجب وأمر آخر علّة لشيء ، كان الواجب علّة ناقصة قريبة له ، وعلّة تامّة قريبة للصّادر الأوّل ، فكان الواجب علّة قريبة لأمرين ، وتبطله قاعدة الواحد .
ثم لا يخفى عليك أوّلا : أنّ البرهان لا يبتني على كون الواجب تعالى علّة تامّة ، بل الأساس في البرهان هو كونه تعالى فاعلا ؛ إذ الفاعل هو الّذي لا بدّ أن يشتمل على كمال المعلول بنحو أعلى وأشرف .
وثانيا : أن هذا البيان مبتن على رأي المشّائين ، حيث يرون المعلول وجودا مستقلّا ، وأمّا على ما ثبت في الحكمة المتعالية فهو تعالى علّة تامّة للصادر الأوّل ، وعلّة ناقصة لما سواه ؛ إذ جميع ما سواه وجودات رابطة ، فلا يصلح شيء منها لأن يكون فاعلا ، وإنّما هي معدّات وشروط ، والفاعل القريب للجميع هو اللّه تعالى ، يوجد الصادر الأوّل من دون أن يحتاج وجودها إلى شرط ومعدّ ، ويوجد ما عداه بشرط وجود ما تقدّم عليه من المراتب ، فكلّ سابق مجرى لوصول الفيض إلى اللاحق . وقد تقدّم بعض ما يتعلّق بهذا المقام في الفصل الثامن من المرحلة الثامنة ، وسيأتي أيضا في الفصل الرابع عشر ما يناسبه .
7 - قوله قدّس سرّه : « كلّ كمال وجوديّ مفروض »
إذ كلّ كمال وجوديّ مفروض غيره تعالى معلول له ؛ لأنّه ممكن ، والممكن معلول للواجب ، مباشرة أو مع الواسطة .