مبدء الكلّ . وهذا أيضا أصل .
ومن الضروريّ أيضا ، أنّ علّة علّة الشيء علّة لذلك الشيء ، وأنّ معلول معلول الشيء معلول لذلك الشيء . وإذ كانت العلل تنتهي إلى الواجب تعالى ، فكلّ موجود ، كيفما فرض ، فهو أثره . وليس في العين إلّا وجود جواهر وآثارها والنسب والروابط التي بينها ، ولا مستقلّ في وجوده إلّا الواجب بالذات ، ولا مفيض للوجود إلّا هو .
فقد تبيّن بما تقدّم 9 أنّ الواجب تعالى ، هو المجري لهذا النظام الجاري في نشأتنا المشهودة ، والمدبّر بهذا التدبير العامّ المظلّ على أجزاء العالم ، وكذا النظامات العقليّة النوريّة التي فوق هذا النظام وبحذائه ، على ما يليق بحال كلّ منها حسب ما له من مرتبة الوجود . فالواجب لذاته ربّ للعالم مدبّر لأمره بالإيجاد بعد الإيجاد ، وليس للعلل المتوسّطة إلّا أنّها مسخّرة للتوسّط 10 ، من غير استقلال ؛ وهو المطلوب . فمن
شرح
9 - قوله قدّس سرّه : « فقد تبيّن بما تقدّم »
لا يخفى عليك : أنّ هذا البرهان مبتن على مذهب المشّائين ، من كون المعلول وجودا مستقلّا لا رابطا ؛ لأنّ ما جاء في هذا البرهان ، من كون الواجب تعالى علّة العلل وكون غيره أيضا علّة موجدة ، إنّما يستقيم على ذلك المذهب .
وأيضا : أنّ غاية ما يثبته هذا البرهان إنّما هو كونه تعالى وحده ربّا مستقلّا ، وإن كان هناك أرباب غيره تعالى هي مسخّرة له .
فكان الأولى بيان المطلوب وإثباته بما مرّ في الفصل الثامن من المرحلة الثامنة وسيأتي في الفصل الرابع عشر من هذا المرحلة من كون ما سواه من الموجودات روابط لا استقلال لها ، لمكان المعلوليّة ، فهي بأجمعها متقوّمة به تعالى ، وليس لشيء منها استقلال يصحّح به ربوبيّته لشيء ، فهو فاعل قريب لكلّ الموجودات بأنظمتها . وبهذا يثبت أنّه تعالى ربّ العالمين لا ربّ سواه .
10 - قوله قدّس سرّه : « وليس للعلل المتوسطة إلّا أنّها مسخّرة للتوسّط »
فهي وأفعالها معلولة لما فوقها ، حيث إنّ كلّا منها معلول لما فوقه بالمباشرة ، وفعله معلول له بواسطته ، فهو وفعله معلول لما فوقه .